لا أملك إلا الترحم على أستاذنا الجليل المغفور له بإذن الله، دكتور حامد ربيع، فلا حصر للمرات التي سمعته فيها يشدد على أن الموقف السياسي، أي موقف سياسي، هو في جوهره عملية، تطور، مسيرة، وأنه أياً كانت تجلياته، فإنه يظل مفتوحاً على الآتي، على التغير، على الاختلاف، في رفض دائم للجمود.
هذا هو، بالضبط، ما نجده مرادفاً للانتخابات في مصر، فأياً كانت النتيجة، التي لم تكن قد أعلنت وقت كتابة السطور، فإنها ليست نهاية، وليست أفقاً مغلقاً، وإنما هي جزء من حركة مستمرة، دائبة، لا تعرف التوقف.
ما يعنيني التوقف عنده والتأكيد عليه هو ذلك الاهتمام الكبير الذي عرفناه، قبل هذه الانتخابات وخلالها وبعدها، من جانب الناس بالشأن العام، أو بالهم العام، أو الاهتمام العام، سمه ما شئت. وهو اهتمام لم يقتصر على النخب السياسية، ولا على المتعلمين، وإنما امتد إلى الناس جميعاً، حتى أبسطهم وأقلهم حظاً من التعليم والخبرة.
هذه ظاهرة لا بد من التوقف عندها حقاً، فأياً كان الدافع إليها، لا نملك إلا أن نلاحظ أن الناس يدفعهم أمل في المستقبل، يدفعهم تطلع إلى تحقيق ما هو أفضل، ويجمعهم هذا كله، حتى وإن اختلفوا أشد الاختلاف في تصورهم لما يمكن أن يفضي بهم إلى ما يحلمون به.
لا بد أن نلاحظ أن الأنظمة الطغيانية تملك قدرة مذهلة على أن تسلب الناس الأمل والحلم بالغد والتطلع إلى التغيير، ومن هنا فإنها تجعل الناس جميعاً يعانون من حالة انكفاء على الخاص والجزئي والمحدود والآتي، وكأن الشأن العام لا يعنيهم، كأن المجال العام فضاء دون الموت أو السجن أو الترهيب.
عندما ينحسر هذا الظل الطغياني الكئيب، فإن الناس يشرعون في النظر إلى العام، إلى المشترك، إلى ما يجمعهم بالآخرين، باعتباره فضاء الحرية الرحب، باعتباره مجال التنفس والتطلع والآتي والحلم.
المشكلة الحقيقية أن هناك من يرون في هذا الفضاء العام مجالاً للفوضى، للتعسف، للاعتداء على حرية الآخرين في التعبير عن أملهم وعن حلمهم، وأيضاً عن مصالحهم.
نهاية الانتخابات تحمل معها ضرورة التأكيد على القبول برأي غالبية الناس، هذا طبيعي ومنطقي، وقد رأيناه في العديد من شعوب العالم، أياً كانت طبيعة المشوار الذي قطعته في التجربة الديمقراطية.
ومصر لا تعيش حالة من المثالية، وإنما تعيش حالة من الحراك الهائل، بعد طول جمود، لكن ذلك ليس مبرراً للتخبط ولا التردي ولا الفوضى.
الجميع ينبغي أن يدرك أن انتخابات الرئاسة خطوة في مسيرة طويلة، وهي مسيرة ينبغي أن تتسم بالدقة والانضباط، وإلا تحول التطلع إلى الآتي، إلى الواعد، إلى المستقبل من أمل وحلم إلى ارتماء في أحضان الضياع.
وهذا ما لا نتمناه لمصر، ولا نقبل به، ومن المؤكد أن جموع المصريين تعرف أن من يدفعهم للفوضى والتخبط، لا يريد بهم خيراً، في نهاية المطاف.