لا أطيق توماس فريدمان، لكنني أحرص دوماً على التقاطاته، ولا سيما أن نجمه أفل بأفول حقبة المحافظين الجدد في الولايات المتحدة، التي أرادت تفجير الأرض بصراعاتها الواهمة.. قال إن السبب الرئيس لإسقاط أنظمة عربية، هو فشلها في "تأهيل" مجتمعاتها للعولمة.
هنا يأتي المثال المصري في البال فورا. انطلقت "ثورة يناير" بشعار "الشعب يريد إسقاط النظام" ثم "ارحل"، وبعد الرحيل الناقص تركزت الشعارات "الثورية" في المطالبة بنظام ديمقراطي، يحفظ الحرية والكرامة والعدالة ويؤمن قوت الفقراء.
هذا حسن، لكن الإرباك الوحيد في هذا المسير، بحسب الثائرين المتنازعين على مفهوم الثورة، هو "حكم العسكر"، وهم بلا شك محقون في ذلك، فحتى الجيش السويسري إذا تدخل في السياسة فسد وأفسدها. لكن المطالبة بالديمقراطية من دون بلورة هويتها الخصوصية وآليات تنفيذها ـ كما حدث في المثال المصري ـ تعني الاعتراف بالمتعارف عليه، أي صندوق الاقتراع، وتاليا انتخاب كل الهيئات التأسيسية لحقبة ما بعد الثورة؛ من برلمان، ورئاسة وهيئات إعادة صياغة الدستور، وإعادة هيكلة القضاء وبلورة القوانين المدنية.. وغيرها.
حدثت انتخابات البرلمان بمجلسيه، وكان مسلماً به فوز "الإخوان المسلمين"، بما أنهم القوة الأكثر تماسكا وتنظيما وتمويلا، ثم الانتخابات الرئاسية، وأيضا كان متوقعا فوز الجماعة هذه، حتى لو مارست الخداع السياسي عبر الإيهام بنيتها التهام جزء فقط من كعكة السلطة، ليفاجأ الجميع بمخططها لالتهام كل الكعكة.
لكنه قانون الصندوق الانتخابي في النهاية، وعلى الجميع بما أنهم لا يملكون وسائل ديمقراطية أخرى، الاعتراف بمخرجاته. بيد أن ما حدث هو أشبه بتعطيل حلقات التاريخ الحلزونية، التي تحمل كل منها سمات مما قبلها، لكنها أكثر تطورا واتساعا.
كيف ولماذا حدث هذا التعطيل؟
أولا: حقبة الثورة تجب ما قبلها كما هو متعارف عليه، فأي شرعية لمحكمة دستورية قديمة في مقابل شرعية الصوت الانتخابي؟
ثانيا: بعد نحو أربعة شهور فقط من فوز "الإخوان" في البرلمان، فإن هذه الجماعة بعدما غرقت في العجز والواقعية المفسدة للسلطة، فقدت ثلاثة أرباع شعبيتها، فضلا عن ثلاثة انشقاقات كبيرة منذ ثورة يناير.
ثالثا: يتأسس على ذلك أن البقاء أطول في السلطة للجماعة هذه، كان كفيلا تماما بتفتيتها حقا، ومن خلال صناديق الاقتراع التي أتت بها، لا عن طريق انقلابات قضائية فوقية.
إذن، الاستعجال في محاربة هذه الجماعة، كما يحدث في تونس ومصر، يأتي لمصلحة "الإخوان" مجددا، عبر إظهارهم مرة أخرى "ضحايا استبداد واضطهاد"، وهو المداد الذي يعين الجماعة على لملمة صفوفها وإعادة تعويمها انتخابيا في المقبل من الانتخابات.
من خطّط لإنقاذ "الجماعة" من جديد بمنحها صفة الضحية، هو حكم عاجز عن نقل المجتمع إلى العولمة أو حمايته من أخطارها، ويصر حتما على حشر التطور في دوائر مفرغة، بدل حلقات التاريخ الحلزونية.