أياً كان المسار الذي ستمضي عبره الأوضاع في مصر، في المرحلة المقبلة، فلابد من أن ينصرف الاتجاه العام إلى الاستفادة من تجارب الشعوب الأخرى، التي مرت بمنعطفات حافلة بالمعاناة، حرصت على أن تخرج منها، دون تفاقم هذه المعاناة، ودون تعريض مستقبلها للمزيد من الأخطار.
ربما كان من أبرز هذه التجارب تجربة جنوب أفريقيا، حيث أمر الزعيم الأفريقي «نلسون مانديلا» عقب انهيار النظام العنصري في جنوب أفريقيا، بتشكيل «لجنة الحقيقة والمصالحة» بموجب قانون تعزيز الوحدة والمصالحة الوطنية رقم 34 لعام 1955، وجاء تأسيس اللجنة في انعكاس دقيق للتوازن السياسي والعرقي القائم في مرحلة الانتقال بالبلاد من حكم الأقلية البيضاء إلى حكم الأغلبية السوداء في عام 1994. من المؤكد أن تشكيل لجنة موازنة في مصر تستفيد من هذه التجربة الأفريقية أمر يستحق الدراسة، تمهيداً للانطلاق به إلى أفق التنفيذ، فبدلاً من الدخول في خضم لا ينتهي من القضايا القانونية، يتعين حسم الأمر عبر هذه اللجنة، التي يمكن أن تعقد جلساتها على امتداد أرض مصر، وصولاً إلى أبرز أهدافها، وهو إعادة الكرامة الإنسانية والمدنية للضحايا.
هذه اللجنة، في حالة تشكيلها في مصر، ينبغي أن تتعرض لعناصر أساسية لا مجال لإغفالها بأي شكل من الأشكال، وهي:
الدماء: ففي الأيام الأولى من ثورة الخامس والعشرين من يناير استشهد أكثر من 1400 شاب على يد عناصر النظام السابق، وقبل ذلك قتل كثيرون في المعتقلات والسجون. وحتى اليوم لا أحد يدري ــ على وجه الدقة ــ من الذين تلطخت يدهم بإهدار هذا الدم الطاهر، وتضاف إلى ذلك أعداد هائلة ممن جرحوا وفقئت عيونهم بالاستعانة بأحدث تقنيات إطلاق النار بالليزر.
الأرض: على امتداد سنين طويلة من الفساد، نهبت أراض مملوكة للدولة في مصر، وبيعت بأبخس الأثمان، فيما يوشك أن يكون هدراً لم تعرفه أمة من قبل، وترتبت على ذلك أوضاع معقدة، وهي أوضاع لابد من تسويتها على نحو يكفل إعادة حقوق الشعب المصري إليه في المقام الأول.
الكرامة: على امتداد عقود، أهدرت كرامة أعداد هائلة من الناس، ووصلت الأمور إلى حد سحل النساء في الميادين وإجراء كشوف العذرية عليهن على مرأى من رجال الشرطة وعناصر الأمن، وهذه الكرامة المهدرة لا يمكن أن تظل مهدرة.
التلاعب بسلم القيم في المجتمع، ربما كانت تلك هي الجريمة الكبرى التي وقعت بحق الشعب المصري، فسلم القيم عند أي شعب يعد صميم وجوده، وإذا كان الشعب المصري قد عرف عذابات البطش بمكونات المجتمع وسجن الكثير من أبنائه وتعريضهم للتشريد والنفي، فإن إهدار سلم القيم جريمة أشد خطورة، لأن تداركها يحتاج إلى عقود طويلة من الزمن وإلى جهود هائلة.
جعل اليأس طريقة للحياة: ربما كان هذا الجانب هو الأخطر في كل ما تقدم، لأنه يعني إغلاق باب الأكل أمام شعب بكامله، الأمر الذي يدفعه إلى التردي من حدة إلى أخرى، بلا أمل في النجاة.
هذه اللجنة، التي لا تزال غائبة حتى اليوم، ربما كانت قناة واحدة ضمت قنوات عدة، يمكن أن تطل بالشعب المصري إلى رحاب الأمل، إلى استعادة الإيمان بنفسه وبقدراته، وإلى إدراك أنه قادر حقاً على تجاوز كل انكساراته، وصولاً إلى المستقبل المضيء، الذي يحلم به، ويتطلع إلى أن يعمل من أجله، اليوم قبل الغد.