من مفارقات راهننا العربي، أن الدول التي في منأى عن "الربيع" هي الأكثر تأثيراً في المناخ الإقليمي والدولي، من تلك التي اكتست بخضرته، إذ غابت مصر وتونس والمغرب واليمن عن المشهد، ما ألقى جسامة المسؤولية على كاهل دول الخليج العربية.

مرد هذه المفارقة، تلك الجهود المحمومة لبلورة اصطفافات إقليمية ودولية للخروج بوصفة توافقية للمعضلة السورية، في ظل اشتداد المجازر وانتقالها المدروس من قتل جماعي إلى إبادة قرى أو أحياء برمتها، ونقصد دس البعد الطائفي في ثنايا هذه المجازر، مع التهديد مجددا عبر أكثر من منبر، بإشعال المنطقة، ربما بدءا من طرابلس اللبنانية.

وهنا لا مجال لتفادي قناعة تترسخ يوميا، بأن الملف السوري خرج من نطاقه الداخلي بامتياز نحو التجاذبات الدولية والإقليمية، وتاليا بات الحل حكما من الخارج، اللهم إلا إذا فوجئنا بتطور انقلابي داخلي يعيد خلط وترتيب الأوراق الخارجية من جديد، ويملي شروط الحل السياسي.

ففي موازاة التنسيق الدائر لتشكيل "مجموعة اتصال" دولية لنجدة الثورة السورية، بعد أشهر من مراوحة تأثير "أصدقاء سوريا" مكانه، على أمل حشد حلف دولي مؤثر عسكريا وسياسيا بزعامة أميركا وأوروبا، سارعت روسيا إلى محاولة إثبات أنها رقم صعب في هذا الملف، عبر التشدد مجددا وتأكيد وزير خارجيتها سيرغي لافروف على استحالة تمريرها أي قرار من مجلس الأمن تحت الفصل السابع، يتيح التدخل عسكريا ضد نظام بشار الأسد. ولكي تخفف قليلا من غلواء الحاقدين على موقفها هذا.

ولا سيما مع مشاهد المجازر الجماعية المتنقلة في سوريا، سارعت إلى الدعوة لمؤتمر دولي بحثا عن وصفة للحل السياسي على أساس مبادرة كوفي عنان، لكن وهو الأهم، على أساس الحوار بين المعارضة والنظام السوري.

جل ما ترمي إليه روسيا هو محاولة تشكيل حلف إقليمي دولي، مناوئ للحلف الغربي العربي، في معركة عنوانها لدى موسكو: إحباط مخطط إخراج روسيا نهائيا من المياه الدافئة، ومحاصرتها تماما بالدرع الصاروخي الأميركي.

هذه المرامي برزت جلية مع تشديد روسيا على حشر إيران في مؤتمرها المقترح، علاوة على الصين وفنزويلا وكوبا، للتبشير ولو بحلف هزيل، ببوادر حرب باردة جديدة، موضوعها الشرق الأوسط كما هو الحال دائما. وهنا ينكشف مدى الدعم السياسي والعسكري الروسي الإيراني للنظام السوري، مباشرا هذا الدعم عبر السفن، أو عبر وكلاء، كما قيل عن ميليشيا مساندة عابرة للحدود لم ينفها الزعيم الشيعي مقتدى الصدر، ولو بالقول إنه لا يستبعد مشاركة منشقين عن تياره في النزاع الدموي السوري.

لكن المؤلم حقا، هو غياب الصوت العربي "الربيعي" عن هذه الطبخات، ومعه تدهور دور الجامعة العربية إلى مجرد ديكور في الجمعية العامة للأمم المتحدة، فلا صوت من مصر ولا تونس ولا غيرها من بلدان "الثورات"، فهل مآل الحراك التغييري العربي هو الصمت، مقابل صوت الاستبداد السابق؟

هي حقاً مفارقة جديرة بالألم!