نظرة واحدة إلى الشارع المصري اليوم كفيلة بأن ننقل، على الفور، الشعور العارم بالغضب الذي يجتاح الملايين من المصريين في أعقاب الحكم الذي صدر، أخيراً، على الرئيس المصري السابق حسني مبارك ووزير داخليته حبيب العادلي، بينما شمل بالبراءة كل المتهمين الآخرين في القضية نفسها، الذين يتألفون من قيادات وزارة الداخلية، الذين ينظر إليهم المصريون باعتبارهم قادة جلادي النظام السابق. هذا الغضب الهادر يستمد طاقته، في المقام الأول، من الاعتقاد بأن تلاعباً حقيقياً في أدلة القضية وبراهينها وأوراقها هو الذي قاد إلى هذا الحكم، الذي شمل كذلك براءة نجلي مبارك، ومن ثم فإن الحكم أعاد الجميع إلى المربع الأول، إلى الأسباب التي قادت إلى ثورة الخامس والعشرين من يناير، وكأن الثورة قامت عبر عام ونصف العام من المعاناة الحقيقية برحلة دائرية، لتعود إلى المنطلق الذي بدأت منه مسيرتها.

شأن كل الثورات، فإن أحداً لا يستطيع التنبؤ بالمرحلة المقبلة في الحركة السياسية في مصر. ومن هنا تمتد أمامنا اليوم غابة مظلمة وموحشة من علامات الاستفهام. هل تنقضي مشاعر الغضب العارمة لتفسح المجال للاهتمام بالجولة الثانية من انتخابات الرئاسة المصرية؟ أم أننا أمام إعادة نظر من جانب قطاعات من الجماهير في مجمل ما جرى حتى الآن باعتباره يفضي إلى طريق مسدود؟ هل يأتي حين من الدهر ينظر إلى صدور هذا الحكم باعتباره مفجر المرحلة الثانية من الثورة المصرية؟ هل سيؤدي الانخراط في عملية الانتخابات إلى السير في العملية السياسية بهدوء أياً كانت شخصية الرئيس المقبل؟

لا أحد يعرف بالضبط كيفية الإجابة عن أي من هذه الأسئلة، ولكن الحقيقة التي تفرض نفسها على الجميع هي أن الحكم على مبارك ليس نهاية المطاف.

إن شئت الدقة فقل إن مبارك نفسه، وكل ما يتعلق به، أصبح شيئاً ينتمي إلى الماضي، غدا تاريخاً في أفضل الأحوال، وحتى إن أسفرت الانتخابات عن فوز المرشح أحمد شفيق، فمن المؤكد أنه ما من قوة يمكن أن تعيد آليات الحكم في عهد مبارك، أو تعيد إنتاج حكم النظام السابق، حسب التعبير الشائع. هذا يرجع إلى أن الحركة السياسية في مصر اكتشفت تلك الطاقة الهائلة على التغيير، على الاعتراض، على رفض الظلم الذي لا ينتهي، حتى ليوشك أن يشكل طريق حياة.

أياً كان ما سيفضي إليه هذا الحكم، فإنه لا ينبغي أن يحجب المرحلة المقبلة من الطريق الطويل إلى المستقبل.

هذا الطريق، في حالة مصر، لا يمكن إلا أن يكون طويلاً، بحكم العديد من العناصر، وفي مقدمتها غياب الإجماع السياسي، وتمزق النخب السياسية، وعدم انعقاد الإرادة على مسار بعينه يقود من الآن، من هنا، إلى المستقبل الذي نتحدث عنه، والثقل الهائل للضغوط الخارجية.

مع ذلك، فلست أشك في أن هذا الغضب الهادر الذي فجره الحكم المختلف حوله يمكن أن يتحول إلى طاقة تدفع مسيرة المصريين إلى المستقبل، ولكن ذلك لن يتم بالتمني، لن يتم بالحلم، وإنما سيتم عبر العمل المكثف من جانب النخب السياسية، التي آن الأوان أن تودع تمزقها وأن تمد يدها لمسيرة صلبة مع جماهير طال عذابها حقاً بكل المعايير.