ونحن نشاهد الأفلام التاريخية الغربية، نلاحظ وجود المرأة بشكل واضح في شتى مناحي الحياة، تتحرك هنا وهناك بخفة وحيوية ونشاط، على الرغم من طبيعة ملابسها الطويلة، وما ترتديه تحتها من قطع ومشدات كثيرة، إضافة إلى اعتمارها قبعة وقفازين في الغالب، ثقل ملابسها وضغطها وطولها لم يمنعها من أداء دورها، فالقدرة على أداء الدور تحكمه أشياء كثيرة، طبيعة الملابس أحدها.

وقد يكون ثانويا جدا أحيانا. في تاريخنا القريب البعيد، كانت المرأة هنا متحركة في محيطها وفي مجتمعها، تذهب إلى السوق وإلى البستان وإلى بئر الماء، وربما قدرت عليها الظروف الخروج للكسب والعمل، ولم تكن ترى في عباءة الرأس، والبرقع عائقا، بل كانت تحمل بضاعتها على رأسها أو في يدها، وتمشي المسافات الطويلة من دون انزعاج من هذه القطع التي كانت ترتديها. مناسبة الحديث هو التناول السطحي والساذج لمسألة اللباس في مجتمعاتنا الخليجية من قبل البعض، والهجوم على تقاليدنا التي لا زلنا نحيا بها سعداء، والتركيز في ذلك على عدم ملاءمة هذه الملابس للتطور والحركة والإنتاج وغيرها.

بينما المفروض أن تترك مسألة اللباس لتأخذ تطورها وتغيرها عبر الزمن، من دون قفزات نعلم جميعا بأنها دعائية إعلانية، أكثر منها مفيدة ومطلوبة للمجتمع. وما لا ينتبه له البعض أن هناك فرقا بين ما أمارسه في حياتي وبين الصحيح والمفيد للآخرين، وفي بدء حملة فرنسا على النقاب، ظهرت نساء عربيات سافرات يدافعن عن حق المرأة المسلمة في ارتدائه، وعند المقارنة بين هؤلاء وبين أخريات نشأن في محضن الستر والحجاب، ثم رفعن راية الانفلات منه، فقط لأن ذلك ما يردنه لأنفسهن، يقف المرء متعجبا.

المرأة الخليجية أثبتت وجودها وقدرتها على أداء أعمالها بالعباءة والبرقع والنقاب أو بدونها، ووصلت إلى أعلى المراكز العلمية والأدبية والإدارية وهي في كامل حشمتها ولباسها الوطني، ولنا في الإمارات أمثلة رائعة على ذلك تشرفنا في كل المحافل. ما أتمناه هو أن يكف البعض عن هذا الحديث الذي لا معنى له، عن سوء أزيائنا وقتامتها وكآبتها، فالزي يتطور بشكل جميل وهادئ ومريح بعيدا عن الضغط النفسي والإعلامي.

وعلينا الانتباه إلى أن بعض قطع الملابس تثبت في المجتمع ويلتصق بها الناس مع الزمن بحيث يصبح من السذاجة الدعوة لإلغائها، ربطة العنق لدى الغربيين مثلا، الغترة والعقال لدى الخليجيين، الساري لدى الهنود، وكذلك عمامة الرأس لدى السيخ، بل إن (الإزار والقميص) التي صارت محل تندر عندنا لأن الرجل الخليجي يرتديها في البيت، هي اللباس الوطني للهنود، وكلنا رأينا زعماؤهم من غاندي الأول إلى غاندي الأخير ومن خلفهم، في المحافل الرسمية والبرلمان، بهذا اللباس.

ما أجمل أن نتمسك بما نملك، واللباس الخليجي منحنا شخصيتنا وهويتنا في هذا العالم، والإنجاز في الثبات عليه وليس الانسلاخ منه، ملابسنا الجميلة، عاداتنا، مأكولاتنا، إنها شيء خاص بنا وحصري لنا، إنها نحن، وبذهاب ذلك نذهب شيئا فشيئا، لنذوب تماما وسط البشر، أو نتلاشى.