القضية المركزية في مصر لم تعد حماية الثورة. المهمة أضحت إعادة بناء الثورة. نتائج الانتخابات الرئاسية لم تضع المصريين بنهاية جولتها الأولى أمام خيارين أحلاهما مر بل هو خيار يتيم. المرحلة الأولى أجهضت الثورة بالفعل، والخيار المتاح أمام المصريين هو الجحيم بغض النظر عن فوز مرسي أو شفيق.
منصة إعادة البناء تتجسد في اعتراف قوى الثورة بالإخفاق في توحيد رؤاها ومن ثم الاصطفاف لتوحيد جهودها. هذا الفشل أدى إلى فقدان البوصلة في المعركة الانتخابية. ما تم حصده من الأصوات شكل مفاجأة لهذه القوى نفسها ليس لتدنيه بل لوفرته.
ونتائج انتخابات جولة الرئاسة الأولى كشفت ببساطة احتدام المعركة بين القوتين المنظمتين. الإخوان المسلمون والحزب الوطني. التنظيم الأول يملك هيكلاً صلباً ويضم شبكة نشطة وفاعلة يفوق ما لدى التنظيم التالي. حسم المعركة لم يبن فقط على تماسك التنظيم وفعاليته. الأكثر مضاء هو المال السياسي المستثمر في المعركة الانتخابية بجولتيها السابقة والمرتقبة.
التنظيمان الإخوان والحزب الوطني يخوضان الجولة الثانية بكل الأسلحة المتاحة والقدرات الممكنة. هي معركة حاسمة وفاصلة. جولات الانتخابات البرلمانية والرئاسية منحت الإخوان شرعية الوجود السياسي. حسم انتخابات الرئاسة يتيح لهم فرصة شرعنة مشروعهم السياسي.
والحزب الوطني أثبت عبر الجولة الأولى بقاءه على قيد الحياة. صحيح لم يكن للحزب بناء تنظيمي فاعل في الشارع المصري. لكن لا أحد ينكر وجود رموزه وأركانه وشبكة المصالح الرابطة بينهم. هي شبكة تمتد من قمة السلطة إلى تشكيلات المجالس في الريف. الجولة الثانية لهؤلاء معركة مصير.
ما لم ينتبه له قادة قوى الثورة المبعثرون بالإضافة إلى ضعف قدراتهم المالية والمكونات السسيولوجية في الثقافة المصرية وانعكاساتها على الصعيد السياسي. المعبد مكون أساسي في الإرث المصري. عدم وجود إله داخل المعبد لا يقلل من رمزيته ودلالته في الحياة العامة.
بهذا المنظور ظل مبنى الاتحاد الاشتراكي ومن ثم مقر الحزب الوطني هو مصدر السلطة العليا وقطبها. هذا الطقس الشعبي الموروث أضاف بعداً إلى كاريزما وجماهيرية جمال عبد الناصر. ولو كان أنور السادات أو حتى مبارك لا يملكان ذلك البعد فقد اخترعه الشعب المصري وأسبغه عليهما لوجودهما داخل المعبد.
قوى الثورة أخطأت كثيراً عندما راهنت على حيادية رئاسة الأركان إبان المرحلة الانتقالية بل ذهب البعض إلى حد وصفها بالضامن لمصير الثورة. رئاسة الأركان جزء من أزمة المرحلة الانتقالية من منطلق انتمائها إلى النظام القديم. كل الأحداث تؤكد طول يد العسكر في تعقيدات المرحلة الانتقالية وتداعياتها.
لن ينقذ الثورة أي ميثاق يتم التلاقي عليه مع مرسي وإخوانه. الإخوان أثبتوا براعة في نقض العهود. الانحياز إلى مرسي يفتح الأفق أمام معارك عديدة تزيد من قتامة المرحلة المقبلة. الانحياز إلى شفيق يعني انتصار الحزب الوطني واستنساخ تجربته. الخياران هما الجحيم والخروج في إعادة بناء الثورة.