بين غبار النقاش ووطيسه الحامي بشأن تسمية الربيع العربي ومدى طرحه الثمار المتوخاة، هناك خلف قضبان الاحتلال الوحيد على وجه الأرض، يقبع خريف قاتم لآلاف الأسرى الذين أشعلوا ما تبقى من نبض، وقرروا خوض معركة «الأمعاء الخاوية» نحو الحياة أو الموت. تبدو المعركة للوهلة الأولى موجهة إلى صهاينة بني إسرائيل، لكنها في الحقيقة موجهة للعالم بكل أطيافه ومؤسساته الدولية، هدفها الأساس وضع هذه المؤسسات، من أمم متحدة ومنظمات حقوقية، على محك التعريف المشترك لمعنى الإنسانية وكرامتها المهدورة منذ مئة عام في فلسطين.
ومن باب الإثارة في الخسارة، على أساس أن العالم الغربي وبعض العربي، لا يسمع سوى لغة تخاطب خفة الغرائز لا عمق الضمير، فلربما يكون هناك وقع لخبر دخول الأسيرين الفلسطينيين ثائر حلاحله وبلال ذياب، موسوعة «غينيس» للأرقام القياسية بتجاوزهما حاجز الـ74 يوماً في الإضراب المفتوح عن الطعام.
حكماً، لا يعني شيئاً للأسيرين هذا الإنجاز العربي، ولا سيما أنهما على حافة الموت، لكنهما على أقله نجحا في تجاوز الإيرلندي روبرت جيرارد المشهور باسم «بوبي ساندز»، الذي أطلق إضراباً عن الطعام في سجن «لونغ كيش» البريطاني، في التاسع من مارس 1954 ليقضي حتفه بعد 64 يوماً، احتجاجاً على الأوضاع في السجن.
في الحاضر المتقدم، يخوض نحو ألف و700 أسير فلسطيني معركة المساواة في المصير بين السجن والموت، بما أن الاحتجاز وراء القضبان لغير سبب جنائي، هو قتل لإنسانية المرء عبر تجريده من آدميته، وحتى ميزة الإحساس بالزمن. هذا العدد من أبطال «الأمعاء الخاوية»، يذكر بعدد مماثل، وإن كان أكثر منه بقليل، ففي عام 1987، حين أطلق الفلسطينيون أضخم وأطول انتفاضة جماهيرية سلمية، لم يجد الإسرائيلي أي مسوغ قانوني لاعتقال فتى يطالب بالحرية بوسائل لاعنفية، سوى التكييف الاحتلالي لما عرف بـ«الاعتقال الإداري»، الذي ابتدعه الانتداب البريطاني على فلسطين.
وكعادتها فإن إسرائيل لا تترك كوة صغيرة لممارسة وحشيتها من دون توسيع، فقد وسعت من «قانون الصلاحيات الخاص بالطوارئ»، والذي يقصر الاعتقال الإداري على حالات نادرة واستثنائية، ليصبح نهجاً عاماً في التعامل مع الخاضعين لاحتلالها. هذا بالضبط ما يفسر مشاركة غالبية الأسرى، من المعتقلين إدارياً، في الإضراب الحالي عن الطعام.
وحتى اللجوء إلى حلول آنية من قبل سلطة الاحتلال لفك هذا الإضراب، لا يقدم إجابات شافية عن مدى قانونية وإنسانية الاعتقال الإداري، بما هو من الانتهاكات الخطيرة لكل شرائع ولوائح وقوانين الأمم المتحدة الخاصة بحقوق الإنسان. السؤال المركزي هنا؛ إن كانت بريطانيا محصنة ضد قوانين حقوق الإنسان في مسألة داخلية من مثل «بوبي ساندز»، فكيف لها أن تمد هذه الحصانة إلى مسألة تتعلق بشعب آخر؟ وكيف لم نر أي ملفات تفتح لدفع هذه الدولة إلى تحمل مسؤوليتها التاريخية والأخلاقية عن سننها الخاصة بالاعتقال الإداري؟
يبدو أن الالتزام بالقوانين الدولية لا يخص واضعيها!