فجأة هجم علينا الحر هجمة قوية، وتبدل الجو خلال أيام من ربيعي منعش إلى صيفي حار، وتبدلت «سحن» أبنائنا إلى الأغمق، وكأنما قد أخذوا قاصدين حمامات شمسية، وبدا الإرهاق عليهم وعلى الموظفين، ودخلنا مرغمين في استعراض الشمس الأسوأ لقدراتها علينا. ودائما كنت أتساءل، ماذا لو كان طقس أوروبا أو اليابان كطقسنا؟

ما الأولوية التي كانت ستراعى مع بداية الصيف؟ الإجابة سهلة وبديهية، ألا وهي صحة الناس والتلاميذ تحديدا، لا يكفي ضمان وجود المكيفات في الفصول، على الرغم من أن هذه قد تتعطل بالأسابيع في المدارس الحكومية، ولكن الاهتمام بنوعية ملابس التلاميذ، بحيث تكون قطنية، وأن تكون الأكمام طويلة، الاهتمام بالتظليل والتشجير.

في أماكن اللعب وأماكن الانتظار، والقيام بحملة لحثهم على شرب المزيد من الماء يوميا مع توفيره بالمجان، وكذلك حثهم على حمل المظلات التي تساهم كثيرا في الوقاية من أشعة الشمس، ثم التوقف عن بعض العادات البالية، الضارة جدا في الصيف مثل طابور الصباح، ومباريات الدوري بين الفصول في الأفنية المكشوفة.

إنها كما يبدو للوهلة الأولى أمور بديهية، ولكننا نعرف جميعا بأن العكس هو الذي يحدث، لدرجة منع التلاميذ من الجلوس في الفصول أثناء الفسحة في هذا الحر وإجبارهم على البقاء في الساحة تلفحهم ريح السموم الحارقة.

من أهم البديهيات أيضا خفض ساعات الدوام، والبدء بالتوقيت الصيفي الذي كنا نعرفه يوما، وألغي من حياتنا بلا معنى ولا سبب، والغريب أن معظم دول العالم تغير التوقيت مع تغير الفصول إما بتأخير وتقديم الساعة، أو بتغيير مواعيد الدوام من دون تغيير الساعة، وفي بيئتنا الصعبة نحن أحوج ما نكون لذلك وغريب جدا تجاهل ذلك.

إن تقدم الأمم يحتاج قبل حساب طول اليوم الدراسي وعدد أيام الدراسة في العام إلى توفير البيئة المناسبة للإبداع، أو على الأقل البيئة غير القاتلة للحد الأدنى من الرغبة في التعلم، وهذا هو الفرق بين الأمس واليوم، كانت المناهج وأوقات الدوام، وطريقة التعاطي الهينة المريحة مع التلاميذ ومع المدرسين تساعدهم على التحصيل الدراسي والتفوق والإبداع، كان لديهم الوقت لكل شيء في المدرسة.

واليوم لا وقت إلا للامتحانات ودروس التقوية والمحاسبة على الدرجات. لا داعي لإحصاءات ترينا نسبة المبدعين في مدارسنا، فالكل يلاحظ تدني النسبة في أبنائه وأبناء جيرانه ومعارفه، قياسا بما كان الحال عليه مع آباء هؤلاء وأمهاتهم في الماضي.

عودا على بدء، فإن ما يتطلبه جونا الحار اليوم هو حالة استنفار، لتقديم أقصى درجات العون لفلذات الأكباد، والعمل السريع على إعادة النظر في توقيت الدوام غير المناسب، وخفض ساعات الدوام، كل ذلك بمراقبة صارمة من الوزارة على المدارس الخاصة، مع توفير متطلبات المدارس الحكومية بهذا الشأن.