إذا كان الشعار المضاد المحفور على الحجر وجلود البشر معا "الأسد أو نحرق البلد"، وإذا كانت جدران الشوارع التي حرثتها الدبابات، تلطخت بشعار "الشعب يريد تربية من جديد"، فأي فرصة لمبادرة كوفي عنان وما تتضمنه من حوار؟

هذه الذهنية التي تقود الصراع في سوريا، تواصل وصفة القبضة الأمنية الداخلية والدبلوماسية الحريرية خارجياً، ومعها يحار المراقبون في المسار السياسي الدولي، منذ تفجر الأزمة السورية ولغاية القرار الأخير لمجلس الأمن.

في البداية، حين أطلقت درعا شرارة الاحتجاجات، انهالت تصريحات "الخارجيات" الأطلسية بغضبها على الرئيس السوري بشار الأسد ومطالبته الصريحة بالتنحي، ثم مع حدوث ما يمكن وصفه بـ"الانتكاسة الثورية" للشارع السوري، حين نجح النظام في استدراجه لحلبة السلاح، تناوب الخفوت على المواقف الدولية تحت وطأة هواجس الحرب الأهلية واتساعها إلى عموم المنطقة، وهو التهديد الذي كان الأسد لوح به للمنادين بتقويض نظامه.

ومع وصول مستوى البطش إلى حدود لا يحتملها الضمير العالمي، رجح التتبع المنطقي للأحداث، أن خطة شيطانية وراء هذا الصبر العجيب على سقوط ما معدله مئة ضحية في سوريا يوميا، تقوم على إعطاء فرصة للقذائف والرصاص لتعيد سوريا قرناً إلى للوراء، فيرث النظام الجديد تركة أثقل من أن تتيح له ولو ثقباً للتنفس خارجيا، وبالتالي نسيان الجولان وحزب الله وثقافة "الممانعة"، والغرق تماما في إصلاح المرافق والنفوس.

ها هي مبادرة عنان تنبت لها أرجل تمشي على الأرض، بنجاح مجلس الأمن في تبني قرار نشر مراقبين عسكريين للإشراف على وقف النار في سوريا، واللافت هو الإجماع، أي سقوط الدرع الروسي الصيني الحامي للنظام السوري. فهل هناك أمر قلب الموازين الدولية؟

قبل أسبوعين ردت وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون على سؤال صحافي في الرياض، بالقول حرفيا "الروس في أيدينا"، لكنها بالطبع لم تفصح عن الثمن الذي قبضه الثعلب فلاديمير بوتين، ليلين تصلب الكرملين ويتراخى "الفيتو".

ثاني الإشارات انطلقت من إسطنبول، حين أشيع التفاؤل و"الأجواء الإيجابية" بين المفاوضين الأوروبيين والإيرانيين بشأن ملف طهران النووي، رغم صدور مواقف متشددة قبل نحو الشهر من قبل القيادة الإيرانية، ما يشي بصفقة ربما باع الحليف حليفه في إطارها، مقابل سلامة بوشهر وغيره.

تحرك تركي أردني مواز، لكن هذه المرة يتركز في محاولة التدقيق في هويات الهاربين من سوريا إلى أراضي البلدين، حتى لا يفرغ خيار الانشقاقات في الجيش السوري من هدفه الأصلي، وبالتالي تتحول المناطق الحدودية الأردنية والتركية مع سوريا إلى معسكرات للجنود المنشقين، بدل بقائهم في بلادهم والبدء في رص وتنظيم الصفوف.

كل العوامل هذه تؤشر إلى مرحلة حسم تقترب، اصطفاف دولي يبدو أكثر حزما هذه المرة، فمع موعد نشر هذا المقال تكون طليعة المراقبين الدوليين قد وصلت إلى سوريا، ما يعني تحييد الدبابات وإن لبست لبوس "المدرعات المدنية"، وتاليا فتح المجال أمام الجماهير لتعود إلى هدير الشارع المدوي، بينما الفخ المنصوب لأي حماقة من قوات النظام يقضي بمناطق عازلة وتسوية الأرض أمام سيل الانشقاقات العسكرية شمالا وجنوبا، على وقع التهديد الوارد في القرار الدولي الجديد بـ"خطوات أخرى".

بقي سر هو الأهم؛ هل اكتملت الدائرة الدولية في الداخل السوري، عبر تبلور قيادة بديلة تجنب سوريا التشرذم، وتحمل الوصفة الديمقراطية المطلوبة.. وربما المرسومة؟