كالفن مصلح ديني فرنسي، عاش في القرن السادس عشر، ولكن مبادئه المتعلقة بفضيلة العمل تحديداً، والقائمة على أن لكل إنسان عمل في الدنيا يقوده إلى مكانه في الآخرة، تشكل جذور الحياة الرأسمالية في الغرب. وتفسر لنا سبب هذا التقديس لقيمة العمل لدى الغربيين، الأستاذة الكويتية عروب الرفاعي، ذكرتنا بذلك في تويتر هذا الأسبوع من خلال بعض تغريداتها.
ذكرني ذلك بعشرات المفكرين والمصلحين العرب الذين ذهبت أفكارهم وجهودهم أدراج الرياح، أو بقيت حبيسة الكتب والمجلدات. لا شك والدنيا تقلب بنا طالعا نازلا، أننا نتذكر بالحسرة إهمالنا لأحد أعظم مفكرينا الاجتماعيين الذي كان بإمكاننا السير على نهجه نحو الطريق الصحيح ألا وهو ابن خلدون، هذا العالم الذي كان مؤهلا لأن يكون مجدداً سياسياً واجتماعيا للأمة لمئات الأعوام الممتدة بعد رحيله، وأن تكون حياتنا اليوم ممتدة الجذور إلى فكره الحصيف .
كيف قلب كالفن حياتهم، وكيف ثبت ميكيافيللي الشر فيهم ، حتى صدروه وطبقوه بكل ثقة ؟ كيف يحدث كل ذلك، ومازال هناك من يشكك في كبار مصلحينا الراحلين، ويحاول تشويه صورة المصلحين الموجودين، وكيف ترقى أمة بلا قدوات ولا قادة روحيين ولا ثوابت.
وحتى نكون منصفين فإن الجهة الوحيدة التي اتسمت بالحراك والديناميكية والقدرة على إنتاج مصلحين مقبولين لدى العامة، وعلى الانتقال من عصر إلى عصر بسلاسة هم (الإسلاميون) وأعني بهم هنا العلماء وطلاب العلم والدعاة المسلمين، والحمد لله الذي أكرمنا بذلك وإلا لكنا اليوم مثل كثير من الدول الأفريقية الغارقة في الوثنية والضلال إضافة إلى القهر والاستعمار والتخلف.
لقد قــام علمــاء الدين بجهد عظيم في التعليم والتنوير وحفظ الأمة والدفــاع عنها، بدءاً بعلماء الحديث وأئمة المذاهب مرورا بكبار العلماء الذين سطع نورهم في أحلك عصور الأمة، وامتد ساطعا ليومنا هذا كابن تيمية وابن القيم.
المشكلة أن عرجاً فكرياً أصاب حضارتنا منذ القدم، عندما جرت أمور السياسة بالبركة، من دون تخطيط أو وعي بالثوابت العليا للأمة. ولولا ذلك الحراك الديني لكان الشلل هو مصير الأمة وليس العرج فقط .
المؤلم أن هذا الثابت الوحيد للأمة فيما يتعلق بالأشخاص بعد النبي محمد (عليه الصلاة والسلام) والصحابة، هذا الثابت المتمثل في علماء الدين، يتعرض بين فترة وأخرى للانتقاد المرير، أو محاولة الحط من منزلتهم ودورهم واقتناص الفرصة للنيل منهم ، وكأننا في سعة من الثوابت والرموز الصالحة الحية، فلا يضيرنا التخلي عن بعضهم وتحطيم بعضهم الآخر.
صحيح أن زلة العالم بألف، ولكن العالم ليس ملاكا، ثم إننا أحوج ما نكون لتقدير علمائنا والالتفاف حولهم، ومنع إيذائهم بأي طريقة.
طبعا ، هذا التكريم لا يعطى لكل ناعق، ولكن لمن اتفقت الأمة عليه، أو اتفق المسلمون الثقات في بلده عليه، من العلماء المتفقهين في الدين، ولقد كان توقير العلماء هو ما نشأنا عليه، إلى أن ظهر من يريد نسف ذلك كله، فيشكك الناس فيهم حتى يحار المرء في أمرهم ولا يدري أين يولي وجهه ولمن يعطي ثقته.
إذا كنا حرمنا من تقبل أفكار ابن خلدون، ولم نبق لنا مصلحا نباهي به الأمم مثل كالفن، وحالنا السياسي والاجتماعي كما نرى، فلنتمسك برموزنا الدينية، كي لا نجد أنفسنا خواء من كل شيء وكأننا نبتنا هكذا كالفطر في الصحراء بلا أمس كان، ولا غد مشرق مؤمل.