بعد أن غمرتنا أخبار المشكلات التي يواجهها العالم الثالث لفترة طويلة للغاية، وجدت أنه آن الأوان لتخصيص بعض الوقت لمعاناة العالم الأول، إذ إنني، بين الحين والآخر، أصل إلى درجة الغليان إزاء الثقافة الغربية الحديثة، وأشعر بالحاجة إلى التنفيس عن غضبي. لذا فإنني سأنزف من خلال أطراف أصابعي، كما كان الروائي الأميركي الراحل إرنست همنغواي يقول عن الكتابة، قبل أن ينفجر عقلي من الضغط.
وبعد سنوات من عدم شرائي لجهاز تلفزيون، استسلمت في النهاية واشتريت جهازاً في نوفمبر الماضي، ظانة أنه ربما حان الوقت لأتوقف عن كوني غريبة الأطوار وكارهة للبشر. وبعد مرور أقل من شهرين على بدء "استمتاعي" بالمحطات الستمئة الجديدة، فصلت جهاز التلفاز ودفعت به إلى الزاوية، حيث يتراكم عليه الغبار الآن.
لماذا كلما زادت القنوات الموجودة، ازدادت صعوبة العثور على أي شيء يستحق المشاهدة؟ على أي حال، في الأسابيع القليلة التي تعرضت خلالها لما يقدمه التلفاز هذه الأيام، جعلتني أضغط على زر "الشراء" في مكتبة "أمازون"، وكأنها كانت جهازاً لبيع الهيروين وكنت أنا مدمنة من نوع ما، لذا فقد عدت إلى كوني غريبة الأطوار، كما أعتقد. نسخة سينمائية عن مسلسل "21 جمب ستريت"؟ حقاً؟ وكم نسخة من فيلم "الرجل العنكبوت" يحتاج إليها العالم؟ هل أصبح الأشخاص المسؤولون عن إعطاء الضوء الأخضر لأفلام هوليوود، كسالى إلى درجة أن كل ما يريدون رؤيته في إعلان ما، هو اسم ممثل شهير وعنوان كان شائعا في مرحلة ما خلال السنوات الـ30 الماضية؟
لماذا اعتقد الناشرون أن الجمهور السطحي الذي يتابع برنامج سنوكي، يضم مجموعة فرعية من الناس الذين يقرأون؟ وهل يفترض أن نصدق أن سنوكي كرست وقتاً من حياتها المزدحمة، ليس فقط لصياغة جملة أو جملتين، بل لصياغة العديد من الجمل، وكتابتها؟ يناضل الكتاب الذين يقدمون أفكاراً حقيقية وأعمالاً مثيرة للاهتمام، من أجل الوصول إلى القراء، ولدينا هنا أناس في تلفزيون الواقع يتقاضون ملايين الدولارات، لمجرد أن تكتب من أجلهم أكوام زائفة من القمامة التي تنتهي في سلة المهملات.
يشبه سباق الحزب الجمهوري التمهيدي بثرة متقيحة لا تزول، أليس كذلك؟ في هذه النسخة من طريقة التعذيب الصينية بالماء، فإن المرشحين الباقين هم آخر رجال ظلوا واقفين وسط مخطط "فين"، الذي يتألف من الفئات التالية: "اللطيف" و"الغريب" و"المكبوت" و"صاحب الشعر الجميل". ولسوء الحظ، فإن هذا ليس عرضاً يرجح أن نحصل على إعفاء منه عما قريب. سئمت من الأشخاص الثرثارين الذين لا يستطيعون الالتزام بأية مواعيد يعطونها لك، لأن هناك ما لا يقل عن ثلاثة مواعيد أخرى محجوزة في التوقيت نفسه، وكل منها في قارة مختلفة، ولكن يمكنك أن تثق بأنهم سيعيدون جدولة موعدك وسيلتقون بك، متى ما تمكنوا من شراء آلة للزمن.
هل أنا وحدي من يعتقد ذلك، أم أن التذرع أصبح أكثر تفشياً بين عموم السكان؟ في السابق، كان من النادر أن يقوم شخص ما بعقد اجتماع عمل وفي ذهنه دوافع خفية، تختبئ عادة وراء كمية كبيرة من إضاعة الوقت والتعقيد، قبل أن تدرك أنه يهدر وقتك، إما لأنه يريد التسكع فحسب، أو لأنه يرغب في الحصول على شيء مجاناً. أما الآن، فإن هذا السلوك يتحول بسرعة إلى عرف، وذلك لأن كثيرين منا في هذا الاقتصاد يعملون استشاريين لحسابهم الخاص. وكم هو جميل بالنسبة لذلك النوع من الأشخاص أن يدفع لهم رؤساء عملهم لكي يقوموا بإضاعة وقتنا.
عندما يموت هؤلاء الأشخاص، آمل أن يتم تعذيبهم قبل أن يتم إرسالهم أخيراً "إلى الطابق السفلي"، حيث ينتمون.