أكثر فأكثر، يمضي المنزلق السوري إلى هاوية لا راد لها، إلا إن بزغ الطهر الوطني، ليكشف سماجة مأساة تنادى في إطارها المئات من أتباع النظام السوري، إلى التظاهر في "يوم الأرض" الفلسطيني، في وقت كان الرصاص المطاطي الإسرائيلي يخدش جلدات الفلسطينيين، بينما صواريخ وقذائف الدبابات السورية تمحو أحياء مدن وبلدات سورية.

هذا القصف العجيب لا يفلح في إخفاء كونه مريباً، فمطاردة بضعة مسلحين في حي ما، تعني إرسال عساكر و"شبيحة" ورجال استخبارات ـ وهم كثر ـ وراءهم لاعتقالهم وقتلهم، أما أن تتموضع الدبابات على حدود الحي وتبدأ فوهات مدافعها في محوه وحرق سكانه، فبالتأكيد المقصود ليس البشر بل الحجر أيضاً.

التدمير الممنهج الجاري حالياً، لا يمكن حصره في زاوية واحدة يريد البعض المعارض حشره فيها: تقويض المناطق الحدودية لـ"الدولة العلوية" المستقبلية التي يعمل النظام على تسييجها بآلة عسكرية ضخمة، تمهيداً للتفتيت الطائفي.

إن كان هذا هو المقصود، فلمَ يمتد التدمير إلى درعا مثلًا؟ لا، هو ببساطة كما قيل مراراً، تدمير سوريا، حتى يجد النظام الجديد البديل فيها نفسه غارقاً في عقود من ترميم البنى التحتية وإعادة تشييد مساكن المهجرين، وغيرها من المواقع الأثرية التي كانت مزاراً سياحياً قبل أن تطالها أيادي "التشبيح".

كل هذا مفهوم منذ مؤتمر أصدقاء سوريا في تونس، حين اصطف الأميركيون و"الإخوان المسلمون" في مواجهة رغبة دول مجلس التعاون الخليجي لإنهاء الأزمة بسرعة، عبر تمكين وتسليح الجيش السوري الحر، وتم فرض أجندة منح نظام السوري المزيد من الوقت لتدمير البلد.

لكن ماذا عن المعارضة المتأطرة في المجلس الوطني السوري؟

كل "الانقلابات" والانشقاقات والاصطفافات الحاصلة حالياً، غريبة تماماً على المنطق السياسي، فكل فصيل يفترض أن تكون له قوة على الأرض يستقي منها شرعية التمثيل، لكن ما يجري على الأرض يدل على أن القوة الوحيدة التي لها امتداد داخلي قوي، هي الجيش الحر، وعليه فإن الحل في يد هذا الجيش.

كل الهتافات للمنتفضين في الشارع تتركز في الجيش الحر، وبالتالي هو نقطة الإجماع الشعبي الوحيدة في المشهد المعارض، وعلى هذا الجيش تقع مسؤولية الاضطلاع بدور سياسي.

إذا كان جيش النظام ينفذ أجندة تدمير سوريا وإعادتها عقوداً إلى الوراء، فإن على الجيش الحر أن يكون النقيض في وطنيته وحرصه على الوطن السوري هوية جامعة، وإلا تحولت الثورة إلى صراع بين أطراف طامعة في السلطة.. صراع على سوريا لا من أجلها، حتى لو أفضى الصراع إلى تدمير الكعكة.

هذا أوان "الجرأة الثورية"، وقرارات تحدد مصير الوطن.. على الجيش الحر أن يسحب بكل الطرق، الذرائع التدميرية من النظام، ويعلن قبوله التام بخطة كوفي عنان الرامية لإنهاء المظاهر المسلحة في الشارع، ورد الثورة مجدداً إلى الجماهير التي أشعلتها بدماء أبنائها، ولا سيما أن الانتفاضة الجماهيرية لم تخبُ ولم تتوقف حتى في الساحات المدمرة قصفاً ومجازر.

زخم الجماهير النازلة إلى الشارع يزداد ويتصاعد حتى في دمشق وحلب، فما الحاجة إلى بضع بنادق لا ترد قذيفة واحدة؟ كان مسار الثورة الجماهيرية واضحاً قبل أن يتناهبه تشويش المعارضة في الخارج ورصاص الجيش الحر الشحيح، كانت الخطوة التالية هي العصيان المدني.

ليعد القرار إلى الشارع من حيث ابتدأ، ولتكن للجماهير كلمتها في مسار الثورة، وفي إفراز قياداتها والنظام البديل، وليحفظ الله سوريا من الدمار المخطط.