ربما لم تلق روسيا في تاريخها من الهجوم والنقد مثلما لاقت من جراء موقفها من الأزمة السورية، خاصة بعد الفيتو في مجلس الأمن، والذي شاركتها فيه الصين، لكن الحملة الهجومية الشرسة كانت موجهة لروسيا وحدها.
وبغض النظر عن الموقف الشعبي العربي الذي يملأه الغضب الشديد من الكارثة الإنسانية التي يعيشها الشعب السوري الشقيق، فإن روسيا لم تسلم من الهجمات والانتقادات الحادة على المستوى الرسمي، خاصة من ممثلي دول الغرب والولايات المتحدة الأميركية، ونذكر هنا تصريح ممثلة الولايات المتحدة في الأمم المتحدة سوزان رايس، الذي اتهمت فيه روسيا صراحة بالتواطؤ مع نظام الأسد على دماء الشعب السوري، هذه التصريحات الحادة ضد الفيتو الروسي كانت توحي بأنهم على وشك اتخاذ قرار بالتدخل العسكري المباشر لإنقاذ الشعب السوري بعيداً عن مجلس الأمن الدولي.
وفي الواقع هم يستطيعون ذلك، وبسهولة تامة، ولديهم تفويض من الجامعة العربية، وتأييد كاسح من الشارع العربي، ويمكنهم اتخاذ القرار داخل أروقة الاتحاد الأوروبي أو حتى داخل حلف الناتو، وهذا ما قاله الروس أنفسهم لهم في مجلس الأمن الدولي، «إذا كنتم تريدون التدخل العسكري فاذهبوا ولن يمنعكم أحد.
وإذا كان لديكم ما يمنعكم من هذا تستطيعون إرسال دعم عسكري وحتى قوات وكتائب مرتزقة إلى سوريا لتقاتل ضد نظام بشار الأسد»، لكنهم لم يفعلوا شيئاً من هذا، بل تنصلوا حتى من المعارضة السورية ورفضوا دعمها، وسمعنا وزير الدفاع الأميركي بانيتا يشكك في هوية المعارضة السورية المسلحة ويبدي خشيته من أن تكون تابعة لتنظيم القاعدة، لقد وجد الغرب ضالته في الشماعة الروسية ليعلق عليها مبررات سلبيته وبراغماتيته الفجة التي لم تعرف في تاريخها مصالح الشعوب.
روسيا ليست لها مصالح خاصة كما يتصور البعض خطأ، والموقف الروسي لم يشوبه أي غموض أو تغيير منذ بداية الأحداث حتى الآن، فروسيا ترفض أي تدخل أجنبي في شؤون الدول الأخرى، ولم يعرف عنها قط أنها تدافع عن الأنظمة ضد الشعوب، بل تحترم وتدعم بشدة حق الشعوب في تقرير مصيرها،.
وروسيا لم تدافع عن بشار الأسد ونظامه، بل وجهت إليه أشد الانتقادات، لكنها دعت إلى الحوار والتهدئة خشية تطور الأمور إلى سيناريو كارثي يشعل المنطقة بأسرها، أما الغرب وواشنطن فموقفهم هو الذي يشوبه الغموض الواضح، فقد مضى أكثر من عام ولم نسمع منهم سوى تصريحات عائمة ليس لها في الحقيقة سوى معنى واحد، وهو أنهم لا يريدون التدخل في سوريا.
ولا يريدون اتخاذ موقف حاسم ضد نظام الأسد، على ما يبدو أن هناك شيئاً ما يخشونه ويخافون من حدوثه، وهذا الشيء بالقطع سيضر مصالحهم وسيحملهم تبعات ومسؤوليات لا طاقة لهم بها، خاصة وأن تداعيات الثورة المصرية لا تنبئ بأي خير، وبالتحديد بالنسبة لواشنطن وتل أبيب.
الآن يبدو واضحاً أن الجميع نفض يديه عن الأزمة السورية وألقاها على عاتق روسيا، التي لم تتقاعس ولم تتردد في تحمل هذه المسؤولية، وعاد الجميع في الأمم المتحدة، بما فيهم الدول الكبرى والعرب ليوافقوا على الصيغ والأطروحات الروسية التي كانوا يرفضونها بحدة من قبل، ولو كانوا قبلوها منذ البداية لوفروا أياماً عديدة من عمر حل الأزمة، ووفروا دماء كثيرة أهدرت في شوارع المدن السورية خلال الأيام الماضية.
الآن تتولى روسيا وحدها عبء دعم مهمة المبعوث الدولي كوفي أنان، وأمامها مهمة أصعب بكثير، وهي إقناع النظام السوري، الذي امتلأ بالثقة والغرور أيضاً نتيجة تراجع الضغوط الدولية، بأن يتوقف عن أعمال القمع والقتل واستخدام القوة العسكرية، وأن يجلس للحوار مع الأطراف الأخرى بدون أية شروط أو اعتراضات، وأعتقد أن روسيا تستطيع إنجاز هذه المهمة الصعبة، فقط إذا لم تمتد أيادي بعض «الصغار» للعبث من خلف الكواليس.