مقابل اشتباك القوى الليبرالية المصرية مع الإخوان على حافة أزمة الدستور تبزغ روح الانفتاح من حزب النهضة التونسي على نحو مشرق. إخوان سوريا يخرجون بوثيقة أبعد انفتاحاً وأكثر إشراقاً.

مع نهل التيارات الإسلامية الثلاثة، في مصر وتونس وسوريا، من نبع أصولي واحد، إلا أن المقاربة السياسية تتباين إزاء معالجة القضية الوطنية. بعيداً عن الفرز بين الاستراتيجية والتكتيك ــ وهي مسألة قابلة لجدل مطوَّل ــ فالثابت يبقى أسلوب كل تيار في عبور، على الأقل، المرحلة الانتقالية.

جذر المفارقة يكمن في طبيعة العقلية وليس في طابع القضية. من غير الممكن لحزب النهضة القفز فوق بيئة حداثية صنعها نظام ظل يدير شؤون البلاد والعباد في تونس طوال نصف قرن من الزمان. منذ انفجار أزمة النظام التونسي الاستبدادي في 17 ديسمبر 2011 دأب راشد الغنوشي على تكريس نهج نهضوي مستنير.

مرشد الحزب وزعيمه أكد في مرحلة مبكرة من قطاف ربيع تونس طمأنة الداخل والخارج إزاء الحفاظ على مكتسبات الشعب المدنية. الغنوشي لم يتردَّد في الذهاب حد حرصه على إبقاء ممارسة نزول البحر بالبكيني. شفافية الرجل دفعته إلى كبح المتشدِّدين داخل حزبه عبر قطاع السياحة من منطلق أهمية دوره في الاقتصاد الوطني التونسي.

وثيقة الإخوان السوريين تعبِّر عن عقلية حداثية على نحو يثير الدهشة أكثر مما تكتسب الإعجاب، إذ تخترق تابوهات في الخطاب السياسي الإسلامي. الوثيقة السورية تصبّ ماء بارداً على مخاوف وهواجس مشروعة لدى الأقليات الطائفية والإثنية. الأكثر من ذلك أنها تعلي مكانة المرأة حد قبولها رأساً للدولة.

هكذا يكسي الإسلاميون في تونس وسوريا الأيديولوجيا الجامدة ثوباً عصرياً حداثياً ديمقراطياً على نحو يكسبهم التقدير والاحترام. هذه ذهنية تستوعب التحوُّلات في المنطقة خاصة والعالم عامة. لو أخذنا التوجه التونسي ــ السوري على محمل البراغماتية، فإن ذلك لا يقلِّل من قيمته. حتى من هذه الزاوية، فإن ذلك يعكس عقلية قادرة على المواكبة والتطوُّر.

في المقابل يقبض إخوان مصر على رسم خارطة المستقبل السياسي تحت شعار التفويض الشعبي المجسَّد في أغلبيتهم البرلمانية المنتخبة. المسألة ليست في رفض الآلية الديمقراطية، بل في التصريحات المسبقة الصادرة عن قياداتهم المعبِّرة في مجملها عن رؤى متزمِّتة تذهب في تطرُّفها لجهة خرق النسيج الاجتماعي. مقابل الانفتاح التونسي ــ السوري، يصدر الإخوان في مصر عن انغلاق في الرؤى وتوغل في الجمود الفكري. النهضة التونسية لم تستثمر أغلبيتها البرلمانية في إدارة المرحلة الانتقالية أو رسم خارطة المستقبل. إخوان سوريا يظهرون رحابة في الاستفادة من تجربة جيرانهم في حزب العدالة والتنمية التركي في إدارة المعركة ضد نظام الأسد.

استناد إخوان مصر إلى الأغلبية البرلمانية يعبِّر عن عقلية نمطية. الإخوان يستنسخون تجربة الحزب الوطني بزعامة الرئيس المخلوع حسني مبارك، إذ دأب نوابه على كر شعار «البرلمان سيد قراره».

المقاربة البراغماتية في مصر أدعى إلى الانفتاح والحداثة والتأكيد على شدّ عِرى النسيج الوطني. تأمين حقوق الأقباط شرط ضروري لبلوغ ربيع مصر أحد أكثر غاياته حيوية وأهمية. طمأنة التيارات الليبرالية شرط لا غنى عنه لعبور ممر المرحلة الانتقالية بأقل كلفة ممكنة وفي أقصر فترة متاحة.

صدام الإخوان مع هذه القوى يضع عقبات أمام الاندفاع الوطني ويفجِّر ألغاماً على طريق التجربة الديمقراطية ويخلق قلاقل سياسية واجتماعية مما يدفع مصر إلى حافة أزمات. إخوان مصر مطالبون بالخروج عن عباءتهم التقليدية وكسر العقلية النمطية.