الأزمة السورية باتت مفتوحة على كل الاحتمالات. الخيار الوحيد غير الممكن يتمثل في المعايشة السلمية بين الشعب والنظام.

من يراهن على انتصار النظام الراهن على الثورة الشعبية الحالية عليه التسليم بإخضاع سوريا إلى قبضة ستالينية يغلب فيها القمع المفرط على نحو يتجاوز العنف الجاري.

سوريا تشهد معركة كسر عظم بين النظام والشعب لن يخرج الطرفان منها في حالة نشوة. أحدهما يتجرَّع حتماً من كأس الانكسار. المعركة طالت فوق توقعات الطرفين. لا الشعب تصوَّر بقاء النظام متماسكاً على وهج الغليان الشعبي ولا النظام توقع الإخفاق في احتواء الثوار.

ثمَّة حسابات خاطئة إضافية ساهمت في استفحال الأزمة. كل طرف استعان بالذاكرة في مواجهة الآخر. حين تحاول بلوغ المستقبل عبر الماضي فإنك لا محالة تعتمد سبيلاً خاطئاً. النظام نبش ذاكرته القمعية فوجد حماة شاهداً ودليلاً. الشعب قطف من تجارب الربيع العربي الطازجة ما يعينه على اللحاق بركب الانعتاق من القمع والاستبداد والفساد. في فورة الحماسة أغفل الشعب حسابات تشابك الداخل مع الخارج.

الورطة المزدوجة تطيل أمد الأزمة وتفرز مزيداً من الخسائر الفادحة. مما يزيد الورطة استحكاماً رهان الطرفين على حلٍّ يأتي من الخارج لتفريج الأزمة، إن لم يستهدف إنهاءها.

في معركة كسر العظم الحتمية سيخرج بخسائر أقل ومكاسب أكثر الطرف الأكثر قدرة على التماسك والصمود والامتصاص. ربما يكون النظام أكثر استعداداً للتوغل في البطش والتدمير والتقتيل، غير أن الشعب أوسع صبراً واحتمالاً لكنه أكثر حاجة للتماسك والصمود والامتصاص. في موازاة هذا الموقف المطلوب يتعرض النظام بالضرورة للتآكل من الداخل. على قدر النجاح في تحقيق هذه المعادلة واقعاً على الأرض يأتي التحوُّل في مواقف الخارج لمصلحة الثورة.

لدمشق تحالفات مع عواصم أخرى وقطاعات شعبية في المنطقة. ذلك إرث موروث وليس إنتاجاً حديثاً. الأسد الأب تمتع بعبقرية نادرة تحذق مهارة الاستثمار في التناقضات الخارجية. حافظ الأسد كان لاعباً محورياً على نحو أكسبه كاريزما سياسية في الخارج عزَّزت قبضته الحديدية في الداخل.

بشار الأسد ليس في مستوى قامة أبيه السياسية ومهاراته البراغماتية. هو رجل الفرص المهدرة. لو أنه نفَّذ ما أقبل عليه في مطلع سنوات ولايته على عتبة القرن الجديد لأنقذ النظام والشعب من الصدام الدموي الجاري. ربيع دمشق سبق ربيع العرب بسنوات. قبيل انفجار الغليان الشعبي أهدر الرئيس أكثر من فرصة للتصحيح والاحتواء. كما افتقد بشار الأسد الحسّ السياسي على نحو يجعله قادراً على الإصغاء لنبض شعبه أخفق في إدراك المتغيرات في الخارج.

صورة أميركا في المنطقة لم تعد منفِّرة كما كانت في السابق. خطوط واشنطن أصبحت سالكة مع عواصم عدة مؤثرة في المنطقة. النخبة السياسية في إيران لم تعد كلها تناصب أميركا العداء.

إذا كان ثلثا اللبنانيين في خصومة مع أميركا سابقاً، فإن الثلث ــ ربما ــ فقط لا يزال في خندق العداوة. العلاقة بين بغداد وواشنطن انقلبت إلى الاتجاه المعاكس. في غضون هذا التحوُّل أعطبت أميركا قنواتها تجاه سوريا. دمشق خسرت تركيا جارة وشريكة ووسيطة. الموقف الثابت تجاه نظام الأسد يتجسَّد في موسكو انطلاقاً من حسابات روسية في المنطقة وليس في ضوء حسابات سوريا تجاه موسكو. لو أضفنا ثبات الموقف الإسرائيلي، فإن ذلك يشكِّل إذلالاً لسوريا!