في عالم اللحظة بات الغرائبي مألوفاً، وما كان محرماً حلالاً صرفاً، في دور الفتاوى السياسية المتناسلة، بعدما تشوش مشهد «الربيع العربي» بانفلاتات فقدت مرجعيات تقويمها السوية.

الآن نراقب ونسترجع معاً مواقف «حركة المقاومة الإسلامية في فلسطين (حماس)»، فتثار الأسئلة الكثر التي تحمل في بطونها إجابات مفجعة.

25 شهيداً في جولة جديدة من العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة، لم يسقط أي منهم من «حماس»، ولم ترد الحركة برصاصة واحدة. هذا كان يحدث في السابق إبان حكم السلطة الفلسطينية للقطاع، حين استهدفت صواريخ الاحتلال مقاومي الحركة، ففتحت الأخيرة نيران بيانات التخوين ضد السلطة الفلسطينية، لأنها لم تتصدّ للعدوان. هذا كان حلالاً للحركة، وحاضراً هو حرام على البقية أن تتهم «حماس» بالتواطؤ عبر الإحجام عن التصدي للعدوان، بل والمسارعة إلى قبول الهدنة التي تعلم جيدا أن الإسرائيلي لا يعترف بها، ولا يتبع سوى تقارير استخباراته ومدى نجاحها في تحديد الهدف التالي.

إسرائيل لم تستهدف «حماس» التي تحكم القطاع بيد من حديد على الحدود، بل استهدفت «لجان المقاومة الشعبية» و»الجهاد الإسلامي»، وتلك قصة أخرى. بعد استيلاء «حماس» على السلطة في القطاع، بات هذا الجزء من فلسطين مرتعاً للحركات الأصولية بمختلف أنواعها ومشاربها التمويلية، حتى إن «حماس» نفسها اضطرت إلى الاشتباك مع إحداها في أحد المساجد جنوب القطاع، ورغم قبضة الحركة الحديدية فإنها لا تستطيع منع متدين من «الاجتهاد» وتشكيل أي تنظيم يعمل في إطار «الإسلام السياسي». بعد تبدلات الربيع العربي، وانهيار الحاضنة السورية لقيادة الحركة الخارجية، وبروز صفقة «الإخوان المسلمين» واللاعب الأميركي، كان لا بد لـ»حماس» من تغيير المسار والانتقال مصلحياً إلى المعسكر الآخر، فبدأت قيادتها في الخارج، بعد الخروج من دمشق، تبحث عن مقر في العاصمة الأردنية، ونشط خالد مشعل على الجبهة التركية.

يبقى قطاع غزة الذي يحتاج الكثير من الترتيب وإعادته إلى السرب الإقليمي، وهذا لا يتم في ظل «انفلات أصولي» فرخ العشرات من التنظيمات المسلحة.

استهدفت الصواريخ في المرة الأولى مطلع هذا الشهر مقاتلي «الجهاد الإسلامي»، هذه الحركة التي تتلقى ، بحسب إجماع المصادر، تمويلها من إيران القريبة منها أكثر من بقية الفصائل، وكذلك عادت الصواريخ لاستهداف قادة «لجان المقاومة الشعبية»، التي تتلقى تمويلها من أي جهة كانت، وهذه الأخطر بالمقاييس الغربية، لاحتمال تسلل تنظيم «القاعدة» من خلالها.

أتت الضربة، ورد المستهدفون بعشرات الصواريخ التي لم تنجح في الوصول إلى أهدافها، بحسب الإسرائيليين الذين رأوها فرصة لاختبار «القبة الحديدية» المضادة للصواريخ، كبروفة لمواجهة الصواريخ الإيرانية حال وقوع المحظور. «حماس» آثرت السلامة في انتظار دور مستقبلي على الخريطة الجيوسياسية للمنطقة، وقصرت دورها على قبول الهدنة فقط.

ومع الوثوق بوعي الشعب الفلسطيني ومحاسبته للحركة انتخابياً على عدم التزامها بشعاراتها، والإتيان بأفعال كانت تستنكرها على غيرها، إلا أن مسارعة مشعل إلى أنقرة لتكون عرابة الدور الـ»حمساوي» المأمول، وبوابة التسويق لدى الغرب، تثير الكثير من علامات الاستفهام، ولا سيما أن أحد أبرز قيادات الحركة في الداخل محمود الزهار يزور متزامناً طهران.

هل هو اللعب على الحبلين، أم هو في إطار تبدلات الراهن الغريبة، والتحوط ببقاء كل الخيوط ممدودة إلى حين الفرصة المناسبة للقطع؟