أمام مصر أكثر من تحد. الشعب المصري يواجه تحديات عديدة على طريق إكمال ثورته. مصر تواجه عقبة استرداد دورها دولة أنموذجاً على صعيد المنطقة أو تفقد هذا الدور القيادي.
ثورة يناير ولجت مرحلة رمادية يوم عجز الثوار في ميدان التحرير عن القدرة على ترتيب أولويات المرحلة. أحد أبرز العناصر في ذلك التفريط نجم عن التشبع بثقافة العهد البائد. عوضاً عن التركيز على مهمة التحول باعتبارها قضية اللحظة الثورية الملهمة اتجهت البوصلة نحو الحفاظ على الاستمرارية.
أكثر الشعارات الفضفاضة المساهمة في التفريط تجلت في ضرورة الحفاظ على الدولة. مع أن الشعار ينطوي على الكثير من الجاذبية وقدر لا بأس به من الموضوعية إلا أنه كان شعاراً خادعاً ومضللاً على نحو مؤذ للثوار وضار بعملية التحول.
في سياق مجاراة الشعار الخادع وانطلاقاً من موروث ثقافي عضود استسلم قطاع عريض من الثوار إلى الإبقاء على مؤسسات النظام القديم بحجة استمرارية الدولة. الثقافة الموروثة جرفت الثوار إلى مسألة أكثر خطورة تتمثل في شخصنة الدولة ومؤسساتها. بهذا الفهم المشوش حد العمى خمد معدل العقل الثوري فتعطل الانجاز التلقائي والمنظم ومن ثم انفرط اصطفاف الثوار وارتبكت عملية ترتيب الأولويات. بدلاً عن تأسيس النظام الجديد انصب الجهد على بلوغ سدة السلطة. هكذا انشغل الجميع بتشكيل حكومة انتقالية لم يتم تحديد مهامها ثم جرى انتخاب برلمان يعمل وفق آلية البرلمانات السابقة. الشعب المصري منشغل هذه الأيام بانتخاب رئيس جمهورية لم تحدد صلاحياته أو ربما فترة ولايته.
وسط ارتباك المشهد وفي مرحلة متأخرة جداً يجري العمل على صياغة دستور جديد. بالتأكيد سيصبح الدستور المتخيل عرضة لتغييرات تفقده احترامه إذ انه سيتم تمريره وسط معادلات سياسية ليست مشبعة بروح الثورة.
انجاز الدستور يشكل الأولوية الأولى لإنجاز الثورة. في وهج الحراك الشعبي التلقائي من اليسير تحقيق مكاسب تتجاوز التشققات السياسية. الدستور يبلور فكر الثورة ويترجم طموحات قواها وأمانيها. تلك مهمة ينبغي انجازها في لحظة الانفعال الثوري وعبقريته.
التفريط في تلك اللحظة الناجم عن ارتباك المشهد المشبع بالثقافة البائدة أدى إلى إجهاض تلك العبقرية والنكوص عن الانجاز الجوهري.
هيمنة ثقافة النظام القديم على العقل السياسي المصري فرخّت الارتهان إلى رئاسة الأركان. تلك ثقافة تغلِّب الشخصية على الموضوعية. احترام المؤسسة العسكرية والاعتراف بدور الجيش مسألة وطنية غير أن وضع مصير العملية الثورية تحت إمرة قادة الأركان لا يتم عن رؤية سياسية نافذة. هناك فصل حاد من المنطلق الموضوعي بين المؤسسة العسكرية وكبار الجنرالات. هناك في الوقت نفسه علاقة بنيوية بين النظام البائد وأولئك القادة. هم أبرز أهم أركانه وحراسه. هم بعض مقاولي الباطن للعديد من مظاهر فساده.
انحياز الجيش إلى الشارع موقف وطني غير أن شخصنته تنأى به عن القضايا الوطنية. استمرارية الدولة لا تعني بقاء أشخاص فاسدين أو قاصرين في مواقعهم. اذا كانت الدولة تتجسد في أفراد فبالضرورة استهدافهم من قبل الثورة في سياق عملية التحول. هكذا يتم إعمال الفرز في هرم السلطة من الرئيس إلى العمدة. الدولة لا تعني الأشخاص لكن مكوناتها الوطن والشعب والمؤسسات.
بدون التخلص من ثقافة العهد القديم واصطفاف جماعي يحقق تحولاً جذرياً لن تسترد مصر دور الدولة الأنموذج والدولة القائد. الانهماك في الشأن الداخلي في غياب انجاز تقدم جوهري يزيد في تغييب القاهرة عن المشهد الإقليمي.