هل في مقدور خيوط الصبر الطويل في السجادة الإيرانية تضليل الثور الأميركي الهائج أمام لهب آخر بقعة طاقة في سلسلته المضاءة حزاما على الجدار الداخلي للبيت الأبيض؟

يغشى على بصيرة صناع القرار أحيانا، وتلك ندعوها في عالم السياسة قرارا خاطئا، والغريب أن غالبية هذا الغشيان يحدث في العالم الثالث فقط، هذا العالم المكلوم بالارتجال واشتهاء القرار لمؤسسات تصنعه.

ترتسم السياسات في بعض بلدان منطقتنا، بناء على تقديرات تتبع حكما مصلحة مصدرها، فالتضليل وارد، ولكن سوء التقدير غالب على الأرجح.

إيران تعيش مرحلة راهنة عصيبة، وتعلن عن استنادها إلى وضع داخلي محكم البناء، غير أن الفجوة التقنية واحتكار التكنولوجيا الفائقة من قبل ناديها، يرجح اعتمادها على التوازنات والتحالفات والتناقضات الخارجية أكثر، ولهذا فإن البعد الداخلي لا يشغل صانع القرار كثيرا، بقدر نسج محور دولي عناصره روسيا والصين وربما فنزويلا، بينما الوضع الداخلي متروك لحبكة مملة لكثرة تكرارها.

الانتخابات الأخيرة التي تمخضت عن فوز كاسح لمعسكر المرشد علي خامنئي على معسكر الرئيس أحمدي نجاد، سبقتها تهيئة سياسية طويلة، غايتها حصر الصراع في تحالفات الحكم نفسه، واحتكار دوري النظام والمعارضة معا، فكان أن تم إظهار معسكر خامنئي على أنه نظام متشدد، بينما تأطر معسكر نجاد في إطار المعارض المنفتح على الغرب، وهكذا تم حجب أي دور للتيار الإصلاحي المعارض، الذي قاطع الانتخابات متهما النظام سلفا بترتيب نتائجها الإقصائية.

تيار المرشد رأى في نتائج الانتخابات تفويضا شعبيا لرص الصف الداخلي، في مواجهة التهديدات الأميركية والإسرائيلية والمراوغات الأوروبية، واعتمادا على هذا الالتفاف الشعبي يستطيع هذا التيار التصلب أكثر في مواقفه، أو التنازل عنها لا فرق، طالما أنه ضمن تفرده بصناعة القرار من دون منغصات برلمانية.

في المقابل، خرج تيار نجاد بخفي حنين، فلا هو كسب تيار المرشد ولا تيار الإصلاحيين، ولا يعول مستقبلا سوى على التمادي في أداء دور المعارضة وتسخين شعاراته لتقترب من النفس التصالحي مع الغرب، إذ من المأمول أن تنطلي على هذا الغرب اللعبة هذه، فلا يمانع في الخوض مرارا وتكرارا في حوارات معه، بينما مفاعلات قم وأراك وغيرها تنسج على مهل السجادة النووية.

هي حبكة مملة كما سبق ذكره، لا تنطلي على أرض غدت قرية معلوماتية، ووسائل إعلام وأقمار صناعية قادرة على قياس عدد نبضات نجاد والمرشد النووية.

هذا من جانب، وعلى المقلب الآخر فإن الركون إلى تحالفات دولية مصلحية، يفترض الأخذ في الحسبان سهولة تغير التحالفات بتبدل المصالح، فلا عجب أن يبيع الروس كل أسرار حلفهم مع إيران للغرب، حال تفاقم الاحتقان في شوارع موسكو، الذي لم تفلح دموع فلاديمير بوتين في تنفيسه وإقناعه بنزاهة الانتخابات التي حملته مجددا إلى مقعد الرئاسة، أو إذا انفجرت ساحات في وجهه من مثل الشيشان أو قرغيزستان أو غيرها من مناطقه الحيوية والاستراتيجية.

لنعترف أنه في عالم موزع بين القوي والضعيف، لا قبل للضعيف بالتحدي الأهوج، وفي الحالة الإيرانية لا مناص من كبح غلواء العنتريات، واستبدال السجادة النووية بأخرى أسبق، هي سجادة التنمية ونسجها على مهل، فتضيف إلى أساس البناء الداخلي الذي هو مصدر القوة الحقيقة، ومن ثم تأتي الطموحات على مقاس واقعها، من دون مغامرات شهدنا تجلياتها في التهديدات الشهيرة بحرق نصف إسرائيل.. فاحترق بلد آخر بكامله!