بعض البشر أصبحوا في حياتنا عملة نادرة، على الرغم من أن أشباههم حولنا كانوا كثيرا يوما ما، بل كانوا هم النموذج السائد، تذكرت ذلك في زيارتي لطبيبة جراحة مواطنة خلال الأسبوع المنصرم لإجراء بعض الفحوصات الدورية، كنت قد رأيتها بشكل عابر قبل سنوات طويلة، وعلق في ذهني ابتسامتها الصادقة وبساطتها الشديدة، لم تتغير أبدا على الرغم من سنوات العمل والسمعة العالية التي تتميز بها في المستشفى.
أكثر ما لفت نظري في حديثها هو نظرتها لعملها كرسالة تؤديها، من دون تفكير في الترقية أو المنصب أو الظهور، قالت : لقد أكملت عشرين عاما في عملي، أشعر بحاجتي إلى التغيير أو الراحة، ولكن شعوري بالدور الذي أؤديه في علاج النساء، وتوفير دواعي الستر لهن هو الذي يدعوني إلى البقاء في مكاني، أشعر بأن ذلك أمانة في رقبتي علي أداؤها ما دمت أقدر.
ولا مكافأة لدي تساوي راحة المريضة واطمئنانها، وابتسامتها حين ترى نفسها بين يدي امرأة مثلها، من دون اضطرار للتكشف على الرجال وهي مخدرة، أنا طبيبة ولا أحتمل رؤية ذلك، فكيف بالمريضات؟ في المستشفى كل سؤالي واهتمامي وصراعي أحيانا حول مريضاتي، لا شيء آخر يهمني.
ينظر البعض إلى هذه النماذج على أنها الجيل المكافح العصامي غير المدلل .. إلخ من صفات تخلي مسؤولية الجميع من التغيرات والتبدلات التي حصلت وتحصل في الشخصية المواطنة كل يوم، والحقيقة أنه لا يجب عليك أن تحفر في الصخر بأظافرك لتصبح شخصية صلبة قادرة على التحمل، ولا يجب عليك أن تحمل الأثقال لتصبح قادرا على تحمل البشر، إنها عملية بناء وتربية يشارك فيها الجميع، هي التي تخرج لنا في النهاية شكل إنسان الوطن وصفاته وقوته وإنسانيته.
نشأ الإنسان هنا وفي الخليج عموما على مبدأ التضحية في سبيل بناء الوطن، كان ذلك استشعارا منه بقيمة الثروة التي فجرها الله في أرضه، واستكمالاً لدوره السابق في الحفاظ على عزته وكرامته وأمنه الاجتماعي في ظل الظروف السيئة من استعمار وفقر وشح في الموارد، فما أن تفجر النفط وحصل الاستقلال حتى أدرك الجميع حكاماً ومحكومين أن هناك دورا جديدا ينتظرهم، وبدأوا بكل تلقائية في الانخراط في هذا الدور.
ليس صحيحا أن المواطن كان يبحث عن المنصب المريح والمرتب العالي، فالمواطن في أي موقع كان، كان يعطي بلا حدود، من الفراش إلى الوزير، كان الحس الوطني حاضرا كأمر طبيعي، من دون تفكير في العلاوات والبدلات والإجازات، ولكن هذا الحس كان جمعيا وعاما لا يشك أحد في توفره لدى من هم تحته ولا من هم فوقه، من الفراش إلى المدير إلى الوزير.
الحزم كان موجودا في بيئة العمل، ولم يكن المواطنون متراخين أو كسولين يوما، ولكن سعة الصدر والابتسامة والتراحم والكلمة الطيبة، وتقبل الأخذ والرد والنقاش أيضا كان سائداً، وكان نتاجا طبيعيا لقيم المجتمع الأصيلة، على الرغم من تغير الزمان.
بعد ذلك أصاب حياتنا زلزال اصطناعي، قلب وهز أركان حياتنا، خاصة في المدرسة وبيئة العمل، فجأة سادت المدارس الخاصة، واللغة الإنجليزية، والخبراء الأجانب، وتفشى فينا داء الظهور ومرض الإعلام الزائف، وأصبحت قيمة المرء لا بما يتقن من عمل ولا ما يؤدي من تضحيات، بل بمدى ما يتقن من أداء دور البوق والملمع لجهة عمله والقائمين عليها، والنتيجة أن ضاعت تلك القيم الجميلة في هذه الطاحونة القاسية.