ما حدث من تطور في قضية التمويل الأجنبي للمنظمات المشبوهة داخل مصر، والتراجع الواضح في موقف السلطات المصرية، والإفراج عن المتهمين الأجانب والسماح لهم بالسفر، وتنحي الهيئة القضائية المصرية عن متابعة هذه القضية بسبب الضغوط السياسية، أمر في الحقيقة ذو دلالات غاية في الخطورة، ويعني بصراحة أن مصر مازالت تعيش في زمن المخلوع مبارك.

حيث انعدام الكرامة وغياب الإرادة الوطنية المستقلة، والحقيقة أنني، لم أستبعد هذا الموقف وهذا التراجع المهين، لكن ما يقلقني أكثر في هذه القضية الموقف السلبي لمرشحي الرئاسة في مصر، وخاصة النجوم منهم، حيث لم أسمع أحداً منهم يتناول قضية التمويل الأجنبي، ولا حتى الحديث عن أميركا ولا عن إسرائيل بشكل مباشر وصريح، على الرغم من الإجماع على أنهما السبب الرئيسي وراء كل مشكلات مصر خلال العقود الثلاثة الماضية.

وأن واشنطن وتل أبيب هما اللذان كانا يديران كل الأمور، وكانا يتدخلان في كل شؤون مصر، صغيرها وكبيرها، وعلى ما يبدو أن مرشحي الرئاسة القادمة في مصر، وخاصة النجوم منهم، مازالوا يراهنون ويعتقدون أن الأمور مازالت تدار من واشنطن وتل أبيب.

وأن أحداً منهم لا يؤمن بالفعل واليقين بالثورة المصرية ولا بالتغيير، وكلامي هذا ينسحب أيضاً على مجلس الشعب الحالي بأغلبيته الإسلامية التي لم نرى منها موقفاً واضحاً من هذه القضية الحيوية والمصيرية، قضية استقلال الإرادة والقرار.

الغريب في الأمر أن هذا الموقف المتراجع والمخزي في مصر بعد الثورة يأتي في الوقت الذي يشهد العالم كله تراجعاً واضحاً في النفوذ والهيمنة الأميركية، ويشهد انفضاض حلفاء وأصدقاء واشنطن من حولها بعد أن ثبت فشل سياساتها وتراجع قوتها وعدم قدرتها على مساعدة أحد في ظل ظروف الأزمة العالمية التي تهدد، ليس فقط كيان الاتحاد الأوروبي، بل أيضاً كيان العملاق الأميركي الذي باتت قوته تهن وتتآكل تدريجياً.

حقيقة أنني تمنيت كثيراً لو ثبتا المجلس العسكري والحكومة على موقفيهما من قضية التمويل الأجنبي، وتمنيت أيضاً لو صدقت التهديدات الأميركية وقررت واشنطن قطع معونتها المشؤومة، فكم أذلت هذه المعونة الأميركية مصر وكم أهانتها وكم من الأضرار والخسائر سببتها على مدى أكثر من عقدين من الزمان، ولم يستفد منها الشعب المصري في شيء؟

حملة التهديدات بقطع المعونة كانت كاذبة مائة بالمائة، ومن المستحيل أن تنفذ واشنطن هذا التهديد أو تمس المعونة، حتى بالتخفيض، وحتى لو مصر طلبت إيقاف المعونة فستضغط واشنطن لاستمرارها، فهذه المعونة ليست فقط وسيلة ضغط على مصر بل هي في حد ذاتها تقنين للتجسس العلني وللهيمنة الأميركية على أمن مصر القومي المكشوف تماماً لدى واشنطن، وهيمنة على العقيدة العسكرية للجيش المصري وتوجيهها في الاتجاه الخطأ، وليس ضد العدو الحقيقي للوطن.

ولا يمكن تدارك هذه الأخطاء والعيوب الكارثية إلا بالاستغناء تماماً عن هذه المعونة العسكرية المشؤومة، ومبلغ المليار ونصف الذي كان كبيراً في بداية الثمانينات لم تعد له قيمة الآن، وما تمارسه واشنطن من ضغوط وتهديد لمصر بقطع معونات ومساعدات الجهات الأخرى مثل صندوق النقد والاتحاد الأوروبي ومعونات بعض الدول لا يعدو كونه ابتزازاً وتهويشاً لا تستطيع.

ولا تملك واشنطن تنفيذه الآن في ظل المتغيرات الدولية وتراجع النفوذ والهيمنة الأميركية على الساحة الدولية، وفي ظل صعود قوى دولية كبيرة مضادة لأميركا وأغنى منها، ولا تعاني مثلها من الأزمة العالمية، مثل روسيا والصين اللذين يسعيان للقضاء على النفوذ الأميركي في الشرق الأوسط وفي العالم كله.

لقد كانت الرسالة الأميركية من حملة التهديدات وقحة وصريحة وهي المساعدات مقابل السيادة والكرامة، وقد قبلها نظام مبارك الفاسد، فهل تقبلها مصر الثورة؟