تعكس الكتابات العديدة التي صاحبت رحيل الشاعر والباحث الإماراتي أحمد راشد ثاني، فيضاً عارماً من الحب الحقيقي، الطالع من القلب، وحزناً لا حدود له، وشجناً شفيفاً، كالدمع الذي يبدأ ثم لا يجف ولا يعرف الانقطاع. ولكنها تعكس أيضاً ما هو أكثر من ذلك بكثير، وربما تعكس في المقام الأول إجهاشة الجيل الذي ينتمي إليه الشاعر والباحث الراحل في مواجهة الموت، فمن قلب الإيمان المطلق بأنه إذا جاء الأجل، فما من سبيل إلى التقدم ولا التأخر، يطل الوعي بأن ما كان متاحاً من أجَل، وما امتد من وقت لإنجاز الأعمال المؤجلة والمشروعات المتروكة إلى حين، ليس بالضبط متوفراً ومتاحاً، ليس مضموناً بحال، بل هو أقرب إلى رفة جناح يعقبها السكون الممتد بلا انتهاء.
تعكس أيضاً الوعي المفاجئ بأن ما تحقق من إبداع وإنجاز، ليس إلا ذرة فيما تحلق إليه الأمنيات، وأن الكثير الذي دارت حوله الأحلام لم يتحقق منه إلا القليل، بل أقل من القليل حقاً، فكأن المرء أطبق كفيه، وهو يحسب أنهما ينضمان على ما في وسع الأفق وعمق المحيط، حتى إذا فتحهما وجد أن لا شيء في كفيه. وتردد كذلك صدى الشعور المرير بأن مبدعاً حقيقياً وأصيلاً ونادراً قد شد الرحال، قبل أن ينال شيئاً يذكر مما يستحق من الالتفات إلى عطائه والتقدير لما أنجزه والاحتفاء بما قدمه.
ومن المؤكد أنني لن أضيف جديداً إلى ما كتبه أصدقاء الأديب الراحل وزملاؤه ومجايلوه ومحبوه، لكنني أود الالتفات إلى جانب أخشى أن تنحسر عنه الكلمات، لتتركه بعيداً عن الإنجاز والتحقيق. في اعتقادي أن أفضل ما ينبغي أن يبادر إليه كل من اهتموا بما قدمه أحمد راشد ثاني هو أن يتوصلوا إلى آلية تكفل المبادرة إلى إصدار أعماله الكاملة في طبعة تبقى للأجيال المقبلة من بعد، فتحفظ فكره، وتبقي على أدبه، وتملأ الآفاق بشعره، وتمنح الحياة على خشبة المسرح لمسرحياته.
لقد بادر عدد من أصدقاء المبدع الراحل بالخطوة الصحيحة، وهي الحفاظ على أوراقه وكتاباته، التي تركها وراءه، وفي مقدمتها مخطوطة روائية كان أعدها للنشر، وتركها وراءه على أعقاب الانطلاق إلى المطبعة. تلك خطوة أولى في الاتجاه الصحيح، ولكنها ينبغي أن تتبعها خطوات، فلابد لمؤسسة قادرة تملك من الإمكانيات وآليات العمل ما يتيح لها أن تقوم بتجميع ما تركه الشاعر والباحث الراحل، سواء من مخطوطات أو من أعمال مطبوعة نفدت ولم تعد ماثلة بين أيدي القراء، ليتم إصدار هذا كله في طبعة شاملة، حيث يمكن بأوسع المعاني الإشارة إلى أربعة مجالات رئيسية، هي أقرب إلى الأنهار التي تدفق عبرها عطاء الشاعر والباحث الراحل:
في البدء يأتي الشعر، فقد كان الراحل شاعراً في المقام الأول، ومن هنا ضرورة الالتفات إلى قصائده المخطوطة لتضم إلى دواوينه التي صدرت قبل سنوات في طبعة واحدة عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر.
ويتواصل الامتداد مع الفن إلى مسرحيات الكاتب الراحل، التي لم يقدر لبعضها أن يقدم، أو حرم من أن يقدم بالشكل الذي أراده الكاتب.
ولابد من جمع كل ما كتبه أحمد راشد ثاني باحثاً عن أسرار التراث الإماراتي وكنوزه، ومن الضروري نشره مع ما يقتضيه من تقديم وتمهيد بأقلام اختصاصيين في هذا الميدان.
يأتي أخيراً هذا الفيض الممتد بلا انتهاء من المقالات التي كتبها المبدع الراحل، والتي توجها بسلسلة مدهشة من المقالات التي كانت أقرب إلى عزف فريد على الأوتار الإنسانية.
وبعد، فهذا ليس تأبيناً، ولا وداعاً، قل إنه مصافحة، أقرب إلى وعد بلقاء.