حين يستعصي تركيع الطبقة الوسطى على الأنظمة الظالمة تلجأ إلى تسديد ضربة قاصمة في مفصل حيوي. الأسواق الشعبية تشكل بؤرة ملائمة لتحقيق هذه الغاية.

هكذا نستوعب إحراق سوق الناعورة في حمص. من هذه السوق دأبت السواعد على مد العائلات المكلومة في المدينة بضرورات البقاء على قيد الحياة. ألسنة اللهب طالت العديد من المحال التجارية في سوق يعد سرة حمص ومركزها التجاري ورواقها الأثري. هنا تتلاقى ألوان الطيف الاجتماعي في المدينة.

الناعورة ليست استثناء. هكذا فعل النظام اليمني في سوق حي الحصبة وسوق غثيم في حي صوفان في صنعاء. السوقان تعرضا لقصف مكثف متصاعد على مدار شهور. نظام صالح تعّمد إخماد إحدى بؤر المعارضة الشعبية بتدمير اثنين من قواعد مصالحها. الأهداف الأكثر حيوية من ذلك وفق حسابات النظام هو تهديد معقل المعارضة القبلي مجسماً في بيت الأحمر.

إبان الثورة المصرية قصيرة الأمد طالت حرائق متعمدة مراكز حيوية بينها مقر الحزب الوطني ومراكز الشرطة ومقر لأمن الدولة في القاهرة والاسكندرية.

في تونس شب حريق في مجمع المحاكم. الجدل في شأن تحديد المتهم بإشعال الحرائق لايزال مستعراً لكن الثابت أنها تمت في سياق المواجهات بين أركان النظام وقوى الثورة.

ثمة علاقة عضوية بين الأسواق وهذه المرافق. كلاهما يشكل ذاكرة اجتماعية جمعية. في مقار حزب كالحزب الحاكم في مصر وأمن الدولة والمحاكم التونسية وثائق ترصد أحوال شرائح عريضة من المواطنين.

الأسواق ليست فقط ذاكرة جمعية بل هي دفتر أحوال الشعب اليومية ترصد معاناته وتدون أفراحه وأتراحه. هي كذلك متنفس العامة حيث تخرج التعليقات الساخرة عفو الخاطر وينبثق الظُّرف الاجتماعي. كذلك تعتبر الأسواق وجهات سياحية، على مقاهيها وفي ردهاتها يتسكع أبناء وبنات الطبقات الوسطى ومنها يتزودون بزينة الجسم والعقل.

سوق سرسق المزدهر في ستينات وسبعينات القرن الأخير لم يكن وجهة الطبقة الوسطى في بيروت وحدها أو لبنان فقط، بل كان مقصداً لمثل أولئك من أنحاء متباعدة في الوطن العربي.

عندما احترق سوق سرسق في العام 1976 لم يقتصر دخان الحزن على اللبنانيين وحدهم، بل ضاقت به صدور شرائح عربية عريضة كانت بيروت بالنسبة لها باريس إقليمية.

الحزن ضرب هؤلاء بينما سقطت بيروت في الفوضى وتوغل لبنان بأسره في الحرب الأهلية القذرة ستة عشر عاماً.

سوق الشعب في بغداد فتح المشهد العراقي على سلسلة من التفجيرات أكثر من ثمانية أعوام وأغرق بلاد الرافدين في حرب الطوائف والإثنيات.

الوعي المصري طوق حرائق بورسعيد والقاهرة والإسكندرية خلال فترة وجيزة ودرأ أخطاراً محتملة عن مصر وشعبها. صمود اليمنيين الباسل والسلمي في وجه النظام المتوحش صب الماء على تفجيرات سوقي الحصبة وغثيم. الانضباط التونسي حصر الحرائق في مقار حزب بن علي وبعض ممتلكات أنسبائه.

الصبر السوري النادر لن يمنح أصحاب الأغراض العاجلة فرصة الانزلاق إلى هاوية النهب كما حدث في سرسق.

مثل هذه المواقف التلقائية تجسد وحدة الشعوب في وجه الأنظمة الظالمة. فلماذا يتحدثون عن توحيد المعارضة السورية وكأنه مطلب عزيز المنال؟

حريق سوق الناعورة في حمص فصل خطير في المشهد السوري الملتهب حالياً، إذ ربما يكون بداية انزلاق سوريا نحو هاوية بلا قرار.