نادرة هي الأمسيات التي تبقى في الذاكرة دفئاً ووهجاً وعبقاً، وتظل في الوجدان نوراً لا تأخذ بأكنافه سحب النسيان، وإلى هذه النوعية من الأمسيات ينتمي اللقاء الذي دار في ندوة الثقافة والعلوم بدبي، أخيراً، لمناقشة كتاب «مستقبل الثقافة في الإمارات»، الذي شرفت بتأليفه.
وكما قلت، صادقاً، في صدر ذلك اللقاء، فقد لبّيت الدعوة الكريمة التي وجهها إليّ القائمون على هذا الصرح الحضاري الرفيع، لأتعلم، ولأسعى وراء إجابات عن أسئلة مازلت أنشد اكتناه أسرارها. وأشهد أنني قد تلقيت بعض الملاحظات من الجمع الذي ضمه هذا المجلس، ما أسعدني وأنار لي جوانب شتى، ربما كانت قد غابت عني، على الرغم من أنني أمضيت ثلاثين عاماً في الاهتمام بتطورات الحياة الثقافية في الإمارات.
وقد حاولت، قدر المستطاع، الرد على كل الأسئلة والملاحظات التي وجهت لي، لكن الوقت لم يسمح لي بالرد على بعضها، على الرغم من أهميتها البالغة، فسمحت لنفسي بإلقاء الضوء عليها هنا، لعل النقاش حولها يمتد بما فيه الفائدة.
إلى هذه النوعية من الأسئلة والملاحظات تنتمي ثلاثة أسئلة، أولها السؤال الذي طرحه الأستاذ عبدالرزاق الفارس، والذي بقدر ما كان موجزاً في صياغته، جاء غنياً في محتواه، وقوامه: عن أي ثقافة تتحدث؟ لو أننا كنا نتحدث عن الثقافة العربية، أي ثقافة المواطنين وأشقائهم العرب والمقيمين على أرض الإمارات، لوجدنا أننا نتحدث عن جانب محدود رقمياً من الثقافة القائمة على أرض الإمارات بالفعل، فكيف نتصور مستقبل هذه الثقافة إذا أطلقنا معناها شاملاً؟.
لقد استمد هذا الكتاب أهميته من أنه دعوة إلى إطلاق مؤتمر أو ندوة أو ورشة عمل، تضم في المقام الأول اختصاصيين في التنمية الثقافية، وتستهدف وضع استراتيجية شاملة لثقافة الإمارات، وأحسب أن هذا السؤال، بانفتاحه على قضايا الهوية والأمن القومي والتركيبة السكانية، هو في صدارة المحاور التي ينبغي لمثل هذا المؤتمر التركيز عليها بحثاً ودراسة.
الملاحظة الثانية مرت بالتأكيد على الوجود الفعلي لمشروع شامل ثقافة الإمارات، وفي اعتقادي أن هذا هو الهدف، هو الطموح، الذي نسعى إلى تحقيقه عبر تلك الاستراتيجية الشاملة، وبالتالي فهو مستقبل نشد إليه الرحال عبر الجهد الذي ينبغي أن نبذله.
الملاحظة الثالثة، أطلت كنسمة عطر، أو لمحة من النور، في الدقائق الأخيرة من الأمسية، على لسان الشاب يوسف النعيمي، الذي بادر إلى التحذير من أن تكون ثقافة الإمارات قد شاخت، وفقدت النسغ والعنفوان والفتوة المرتبطة بروح الشباب.
وقد كان المسؤولون عن ندوة الثقافة والعلوم سباقين إلى الاستجابة لهذه الروح الوثّابة، حيث بادروا إلى دعوة هذا الشاب ومجايليه ممن تفيض قلوبهم حباً للإمارات وحرصاً عليها وغيرة على مستقبلها الى أن يشهدوا كل فعاليات الندوة، وأن يشاركوا فيها كجزء من انبعاثهم لمواكبة العمل العام لخدمة بلادهم.
هذه المبادرة الجميلة والاستجابة الأجمل لم تترك لي إلا القول إن الثقافة في الإمارات أبعد ما تكون عن الشيخوخة، ربما تكون في استراحة محارب، أو في مهلة التقاط للأنفاس، لكنها بالتأكيد بحكمة الكبار وحماس الشباب، لابد لها أن تنهض من جديد لتملأ الآفاق.