في عالم الفضاء المفتوح على الخفايا، لا أسرار ولا كواليس ولا دهاليز في أروقة السياسة. لنتلمس كنه الأزمة في سوريا، فقط علينا أن نسأل: ببساطة من المستفيد من السيناريو الجاري؟

لا بأس إن اجتهد البعض، بأن سوريا غدت ساحة كسر عظم وصراع إرادات بين فريقين دوليين: الولايات المتحدة ومعها أوروبا، في مقابل روسيا وإيران ومعهما الصين. وإن صحت التقارير التي تحدثت عن تسريع البرنامج النووي الإيراني بدعم روسي، وما رافقها من تقديرات الـسي آي أية الأميركية بشأن تخلي طهران عن أجندتها النووية العسكرية.

فإن الواضح أن هذا الملف برمته مؤجل بقرار أميركي، وهدفه تجميد الحماس الإسرائيلي لضرب إيران، فالبيت الأبيض يرى أن الأولوية الآن هي للملف السوري، لكن بأي سيناريو؟

اندفع الأميركيون في بداية تفجر الاحتجاجات الجماهيرية في سوريا، لتبني موقف صارم، وهاجمت موسكو وبكين بقسوة بعيدة عن الدبلوماسية، بعد استخدامهما الفيتو ضد تبني مجلس الأمن الدولي للمبادرة العربية، وبعدها بنحو الشهر الواحد، ظهرت هيلاري كلينتون بسياسة أميركية لا لون لها، في مؤتمر أصدقاء الشعب السوري في تونس.

اكتفت كلينتون بكلمات حادة بعض الشيء في مؤتمرها الصحافي، لكن ملامحها كانت تشي بغبطة داخلية عجيبة، لا تفسير لها سوى اطمئنانها لنجاح التحالف الناشئ بين بلادها وجماعة الإخوان المسلمين، بنموذجها التونسي.

كان لافتاً، ذلك الأداء المتميز في علم إدارة الندوات، الذي قدمه وزير الخارجية التونسي، لكنه بلا ريب يفتقر إلى أصول الدبلوماسية، عندما نسي مثلاً بند الاعتراف بالمجلس الوطني السوري ممثلاً شرعياً للشعب السوري، خلال تلاوة البيان الختامي للمؤتمر، كما هو الحال حين داوم على تكرار موقف تونس في الرد على الأسئلة، وكأن بلاده حلت محل المؤتمر بدوله ومنظماته السبعين.

نعلم هواجس معسكر عربي ودولي لا يستهان بقوته، بشأن الخشية من انفجار حرب طائفية في سوريا، حال المضي في الخيار العسكري وإغداق السلاح على فصائل المعارضة السورية غير الموحدة، وما تحمله من مخاطر تسلل تنظيمات متطرفة، علاوة على امتداد الحريق الطائفي من لبنان إلى العراق إلى تركيا وحتى إيران. يمكن فهم التردد الغربي الطارئ حيال تسليح المعارضة السورية، بناءً على هذه الهواجس.

لكن إن كانت الحقيقة هنا، فإن بإمكان واشنطن التي ذهبت إلى هذا المؤتمر على افتراض انتهاجها مساراً بعيداً عن الأمم المتحدة، أن تشكل تحالفاً مماثلًا لذلك الذي ضرب الصرب إبان أزمة كوسوفو، والذي ذكرت به كلينتون في مؤتمر تونس، أو لذلك التحالف الثلاثيني ضد العراق، ومن ثم توجيه ضربة ساحقة للنظام في سوريا وإنهاء الأزمة.

إذن، الحقيقة ليست هنا بتاتاً، بل في تل أبيب!

نعم، المستفيد من سيناريو الدمار في سوريا هو إسرائيل فقط، فهي التي تتوجس من طبيعة النظام السوري البديل، ومخاطر كسر الهدنة طويلة الأجل في الجولان، وبالتالي فإن تدمير سوريا سيلهي النظام الجديد سنوات عدة في معركة البناء الداخلي، فتكسب الدولة العبرية المزيد من الوقت المريح.

وحدها دول الخليج التي ما زالت تحتفظ بطهر إنساني في عالم اللوثات السياسية، وهو ما ظهر في موقف السعودية المبدئي في تونس التي احتضنت ضربة معلم لهيلاري، من حيث السهر على تمنيات إسرائيل وقطف ثمار التحالف الجديد مع الإخوان!