لم يحدث أن رأيت مشهداً لشباب الثورة في مصر، أياً كانت طبيعة هذا المشهد، ومهما كانت سحابات الحزن والرماد التي يلتف بها، إلا وتذكرت البيت الشهير للشاعر بابلو نيرودا الذي يقول: «إن لحظة في الظلام لا تفقدنا البصر».
هذا البيت القصير هو، في اعتقادي، البيت الأجمل والأكثر أهمية في ديوان بابلو نيرودا «إيسلانيجرا» الذي شرفت بترجمته إلى اللغة العربية، في تجربة حافلة لم أجرؤ على تكرارها بعد ذلك قط. والبيت بصدقه وأصالته ينقلنا إلى السؤال الصعب: أين شباب الثورة في مصر الآن وإلى أين يمضي؟
مجلة «تايم» الأميركية تأخذ المسألة «من قصيرها»، وتطل علينا في عددها الأخير بمقال مطول، يحمل العنوان الدال «كيف فقد الشباب الثورة». وباختصار فإنها تقول إن الشباب خسر الثورة، وما علينا الآن إلا أن نفهم الأسباب الكامنة وراء ذلك.
والمجلة الأميركية، في جوهر تحليلها، تقول لنا بوضوح، إن شباب الثورة المصرية أمامهم خياران لا ثالث لهما، فهم يتعين عليهم إما أن يجددوا أنفسهم، وإما أن يخاطروا بأن يطويهم النسيان.
وهي تمضي أيضاً إلى القول إن أيام إغداق جوائز البطولة على شباب الفيسبوك قد ولت، وإنهم الآن يمضون إلى التشرذم والتمزق وفقدان الشعبية، وربما المغيب الكامل كقوة سياسية لها حضورها في الشارع، خاصة وأن الكثير من فصائلهم لم يتمكنوا من تطوير لغة سياسية يمكنهم بها أن يخاطبوا الشارع المصري.
وتكمل «تايم» الدائرة بالقول، إن شباب الثورة في مصر واعون بأخطائهم، وإنهم يندمون على عدم تحدي العسكر في وقت مبكر من اللعبة.
هذا التعبير الأخير يذكرنا بتعبير لباحث أميركي شهير، غدا مثلاً يضرب في عالم دراسات العالم الثالث، يقول فيه، إن الحياة السياسية العربية لم تعد شيئاً طريفاً بعد حرب يونيو 1967. جوهر نسيج الكلام الأميركي أن الحياة السياسية في الشرق الأوسط هي لعبة تلعب، أو حقل اختبار يجري فيه التجريب، وفق المزاج الأميركي، وبما يتفق مع الأهداف الأميركية.
ولسنا في معرض الرد على هذه الطروحات الأميركية، فما يجري في مصر أكثر تعقيداً من أن يطرح بهذا التبسيط الذي طرحته «تايم»، فالشباب الذين صنعوا الثورة قوة ليس من الممكن تهميشها أو إزاحتها جانباً أو التلاعب بها، كما أن استدعاءهم للصدام مع العسكر حيلة أميركية قديمة ما عادت تنطلي على أحد.
والخيارات التي تطرحها المجلة الأميركية ويطرحها بعض المراقبين هي خيارات تعسفية، تسيء قراءة شباب الثورة، وتسيء فهم قدرتهم على بلورة طاقاتهم وأدوارهم في صنع المستقبل في مصر. ومن المهم أن نتذكر في هذا الصدد العبارات الجوهرية التي تشكل الفقرة الحاكمة في كتاب الناشط الشاب وائل غنيم، الصادر مؤخراً في طبعته اللندنية بعنوان «الثورة.. قوة الشعب أعظم ممن هم في سدة السلطة»، حيث يوضح أن الثورة تبدأ بالذات، تبدأ بما يكون المرء على استعداد للوقوف من أجله وما يستعد المواطن للمخاطرة به في خدمة بلاده.
لقد اكتشف الشباب في مصر نفسه، وعرف قدراته، وتبين له ما يمكنه أن يقدمه لبلده، وأياً كانت المؤامرات التي تحاك له وبحار الدم التي تجهز من أجله، فإنه قادر على أن يمضي في طريق التضحية من أجل بلاده، واللحظة التي ربما أمضاها في ظلام التآمر عليه لن تسلبه البصر، لأنه قادر على تجاوز كل العقبات والعراقيل ليشارك في صنع المستقبل في بلاده، بعقلية القادر والمستعد لتقديم التضحيات وليس بالخيال المريض للساعين لتقسيم كعكة وهمية لا وجود لها إلا في ذهن هؤلاء الساعين للاقتسام.