تلك مسلمة في موروثنا الثقافي، أن الشرق الأوسط قلب الأرض، يتزاحم الغزاة منذ فجر التاريخ على دمه، وتتناوب موجات الغزو على الاستئثار بثرواته، إلى جانب التأثير والتأثر بموروثه على نحو ما، لكن بعد تمحيص ثغرات هذا الموروث وإمكانيات التسلل عبرها. من أبرز هذه الثغرات، تلك القراءة الخاطئة للنتائج، بناءً على مقدمات خاطئة أيضاً، تتعلق بنظرية المؤامرة والاكتفاء بإطلاق بيانات الجلد الذاتي، وتحميل الآخر مسؤولية حاضرنا المهزوز ونكوصنا التاريخي والحضاري.
تمور ساحاتنا حالياً بمختلف أنواع الحراك الجماهيري والسياسي والثقافي في إطار الربيع العربي، ومع هذه الحقبة الحساسة جداً نفتقد آليات التقويم والاستبصار الموضوعي لما هو مقبل من الأيام، وفقط تعاني منابرنا من تخمة التأويلات المرتبطة بالمؤامرة الكونية على هذه البقعة من الأرض.
لا يختلف اثنان على حساسية منطقتنا العالمية، لكن يفترض أن يختلف هذان الاثنان على هذا القصور العربي في استثمار هذه الحساسية برؤية واستراتيجية وخطط مبرمجة ومجدولة، والبعد عن تقليدات الذهنية العربية الخاصة برد الأمور إلى المؤامرة الخارجية، وآخرها تقليعة ملامح تشكل نظام دولي جديد.
عشنا ردحاً طويلاً في الأرجحة بين قطبي النظام الدولي السابق: الكتلة الرأسمالية والكتلة الاشتراكية، وحين انهارت الأخيرة اهتزت منظمة وعينا، ولم تكف عن محاولات العبث الفكري في البحث عن ملامح نظام دولي جديد، على أساس أن كروية الأرض لا تستقيم بقطب واحد!
وهنا انطلقت المحاولات هذه أكثر سخونة مع الهزة السياسية الأمنية التي تشهدها المنطقة، وبدأنا تفصيل نظام دولي جديد أقطابه: الولايات المتحدة الأميركية ومعها أوروبا، في مقابل تحالف العملاقين روسيا والصين. هذا ربما ما يفسر هذا التعنت الإيراني - السوري، في إصرار أحمدي نجاد على المضي قدماً في برنامج إيران النووي، واستماتة بشار الأسد في الزج بكل قواه العسكرية لملاحقة انتفاضة شعبية.
اللعب على تناقضات المعسكرين الدوليين، كان له حظوظ في حقبة عالمية سابقة، أما عالم اليوم فلا تحتمل تغييراته، بل وانقلاباته المذهلة، التعامل معها بذات الذهنية القديمة. أي حظوظ لهذا النظام الدولي الجديد، إذ نعلم حقيقة التحالف الأميركي الأوروبي المصلحي، والذي جعل منهما رئتين اقتصاديتين لجسد أطلسي واحد، بينما نعلم التناقضات الجمة بين روسيا والصين، إذ إن هذه التناقضات حالت دون تحالف قوي بين موسكو وبكين إبان حقبة الاشتراكية التي جمعتهما، فما البال وروسيا تحولت إلى النظام الرأسمالي؟
انضمام روسيا إلى النادي الرأسمالي يعني تحكم بورصة نيويورك النفطية في مصانع الصين، وأسعار نفط وغاز روسيا، بينما ينتظر بكين مصير مشابه لما آلت إليه بريسترويكا غورباتشوف، حال توسع محاولات تطعيم النظام الصيني برأسمالية شنغهاي، فضلاً عن أن قسمة رياضية بسيطة للناتج القومي على عدد السكان، تبين بوضوح انتماء الصين إلى العالم الثالث. الرهان على نظام دولي ثنائي القطبية في طور التشكل، هو قصور رؤيوي، وتعلق بأستار الماضي الممزقة، ومحاولة للقفز عن استحقاقات الحاضر ودراستها بروية، لاستخلاص العبر والخطط.
في عالم السياسة العدة الذاتية هي التي تحدد حجم الدول والكتل في أي نظام دولي، سواء أكان أحادي القطب أم ثنائياً، نحن ـ كما يفترض ـ أدرى بمصالحنا وما نريده من الحليف أو الخصم، ونحن نحدد موقعنا على الخريطة العالمية.
الشارع العربي هدر بشعارات الديمقراطية، فليحظ بها، لنضع قواعدها الصلبة ونترك لأدواتها وبناها الفوقية أن تحدد اتجاه البوصلة، من دون أسرها مسبقاً بفلسفات اهترأت لكثرة التمسح بها.