لكل حقبة زمنية أهلها الذين عمروها بأعمالهم وأقوالهم وفكرهم ومشاعرهم، وإحياء تاريخهم إحياء لنا ولا شك، هكذا يحرص الناس في العالم على الحفاظ على الأحياء القديمة، وعلى بيوت المشاهير، وعلى كل ما يمكن الحفاظ عليه من الماضي، لأن الإنسان جبل على حب رؤية جذوره أمامه، ليشعر بمزيد من القوة والثقة والاطمئنان.

الاحتفاظ بأسماء الأولين حاضرة في الحياة اليوم، لتبث فيه معاني الرسوخ أيضا مما يعمل له الناس عبر إطلاق أسمائهم على الشوارع والميادين والمدارس والمرافق المختلفة في الحياة.

قرار تغيير مسمى مستشفى الوصل إلى مستشفى لطيفة، تكريماً لذكرى الشيخة لطيفة بنت حمدان آل نهيان رحمها الله حرم الشيخ راشد بن سعيد رحمه الله، يفتح المجال للحديث عن حضور رموزنا السياسية والاجتماعية في مسمى مؤسساتنا ومرافقنا وشوارعنا، هناك العشرات من الشيوخ والشيخات الذين حملوا مسؤولية بناء هذا الوطن وحماية وتشكيل نسيجه السياسي والاجتماعي في وقت من الأوقات، ولكن أسماءهم غير موجودة في أي مكان في الدولة.

ثم هناك الشخصيات الاجتماعية والثقافية والمثقفون الأوائل والقراء والعلماء والأعيان الذين ساهموا بفاعلية في بناء الوطن أيضا ولكن لا نجد لهم أي ذكر أو وجود، بالمقابل فإن أسماء المرافق تحمل أسماء غريبة وبعيدة عن محيطنا.

نتمنى أن نستيقظ يوماً فنجد الأحياء القديمة التي لايزال بها رمق من حياة، قد بدأ العمل بالحفاظ عليها وإنعاشها، وأن نجد الشوارع قد حملت أسماء أناس نحبهم ونخشى اندثار ذكرهم، وأن نجد المدارس وهي تحمل أسماء علمائنا الأوائل الذين ضربوا في مشارق الأرض ومغاربها لطلب العلم ثم عادوا لينشروه بين أهليهم.

نتمنى أن نجد تاريخنا الجميل، وكفاح أجدادنا عبر الأجيال منثوراً بين أيدي أبنائنا أينما ذهبوا في بيت سكنه أحدهم، أو في مقهى كان يجلس عليه آخر، أو في مسجد أو في مكتبة أو في مجلس، كثيرة جدا هي الأماكن التي حملتهم واحتوتهم في وقتهم وزمانهم، ووجود ذلك في حياتنا، سيكون كالعطر المعتق، ينتشر شذاه في حياتنا.

إن الإسراع بذلك في غاية الأهمية ويوفر الكثير من الوقت والجهد، قبل أن تتسرب ذاكرة الأجداد من بين أيدينا وتدفن معهم، وصحيح أن الجهات المعنية بالتراث تقوم بجهد مشهود له في الجمع والتوثيق لتاريخنا، ولكن ذلك لا يعني أنها قد شملت كل الأشخاص المهمين والأماكن المهمة في عملها، يبقى الكثير مما لا تزال أطرافه بين أيدينا دون توثيق، نراه في بعض المسنين، وفي كثير من القصص والحكايات المنثورة من ذاكرتهم.

قد يتساءل البعض، وأين نضع كل هذا الكم من الأسماء، والرد أن تغيير بعض الأسماء الموجودة ضروري، مثل بعض الشوارع التي تحمل أسماء المدن العربية، أو بعض الميادين التي تحمل أسماء ليست ذات دلالة عميقة، ولا بأس بتغييرها، وإن اعتاد عليها الناس إن كان التغيير للأفضل، فحتى القبلة التي كان المسلمون عليها في فجر الدعوة، غير الله سبحانه وتعالى اتجاهها عما كانت عليه في البداية.