على إيقاع دعوة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم بتكريم الأم في المناسبة السنوية السادسة لجلوسه، تتداعى إلى الخاطر ثلة من الأمهات؛ مجسدات القيم الإنسانية النبيلة والمعاني الخالدة. في التنزيل ترد الأم دلالة الأصل، إذ تقرأ في الآية السابعة من آل عمران: «هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب». كما نقرأ تعزيزاً للمعنى الدال على التنزيل من اللوح المحفوظ في سورة الزخرف: «وإنه في أم الكتاب لدينا لعلي حكيم».

سر الأمومة الإسلامية يتعاظم مع نزول الوحي في أم القرى، إذ نقرأ في الآية 92 من سورة الأنعام «ولتنذر أم القرى ومن حولها». مكة قبلة المسلمين ومركز جذبهم وسرة الكرة الأرضية. «أمك ثم أمك ثم أمك».. هكذا يوصينا الرسول صلى الله عليه وسلم بأمهاتنا ويحرضنا على مصاحبتهن والحرص على ذلك. في مخزوننا التراثي الجنة تحت أقدام الأمهات.

في مخزوننا الثقافي الأم مدرسة. الشاعر الفلسطيني المبدع محمود درويش رحل وترك لنا رصيداً ثراً من الشعر المتماهي مع قضية شعبه. كل يردد من قصائد درويش أبياتاً في مناسبات ولحظات بعينها، غير أننا نردد جميعاً بعضاً من قصيدته المعنونة «خبز أمي». من لم ينعم بصوت درويش وهو يلقي القصيدة؛ سمع حتماً مارسيل خليفة وهو يتغنى

أحن إلى خبز أمي

وقهوة أمي

ولمسة أمي

في هذا المقطع يختزل درويش في صورة مشبعة بالحميمية دفء الأمومة في حضن الوطن. إذا كانت قصيدة الشاعر الراحل بدت بهذه العاطفة الجياشة واحدة من عيون شعرنا الحديث، فإن رواية «الأم» لاتزال واحدة من روائع الأدب الإنساني.

في هذه الدرة الأدبية الروسية غزل مكسيم غوركي عقب ثورة 1905 صورة واقعية لنضال شعب، بتصوير حياة امرأة صبور واجهت قسوة الحياة بين زوج سكير وولد نذر شبابه لقضية شعبه. هكذا تتقلب «أم» غوركي في المعاناة من ميخائيل فلاسوف إلى الابن يافل، مؤكدة أن مآقي الأمهات لا تنضب من الدموع.

أم غوركي لم تركن إلى الحزن أو تستسلم لليأس، فبعد دخول ابنها السجن تابعت مسيرته النضالية وتولت توزيع المنشورات السياسية. الأم الروسية ليست مغايرة للأم الهندية «رادها» في التحفة السينمائية «من أجل أبنائي». في هذا العمل الذي يشكل أحد ذراري الرومانسية الواقعية في الفن السابع قدم المخرج محبوب خان أنموذجاً مشرفاً للأم في شبه جزيرة الهند. تلك امرأة لم تكتف بالبذل المضني في تنشئة أبنائها، وسط ظروف قاسية، نابذة كل إغراءات المال الفاسد، بل ذهبت إلى التضحية بابنها المنحرف من أجل مجتمعها الصغير. تلك هي قمة العمل السينمائي الخالد. أداء راجندر كومار وراج كومار مع نرجس، وجمعيهم من نجوم بوليوود في خمسينات القرن الأخير، جعل «الأم» واحدة من كلاسيكيات السينما العالمية.

لا أحد يعرف أغنيس غونكزا بوجاكسيو.. تلك هي المرأة الألبانية الأصل، المهاجرة، المولودة في العام 1910، الخارجة من المجهول إلى بؤرة الشهرة باسم الأم تريزا، الحائزة على جائزة السلام في العام 1979. هي راهبة كرست جهدها من أجل إسعاد الأطفال المحرومين والمهمشين حتى وفاتها في العام 1997.

الأم ليست مجرد حضن دافئ، هي الانتماء لذلك، يقولون دوماً الوطن الأم، هذا مضمون تتصاعد قيمته في زمن العولمة، حيث تذوب الجغرافيا.

الأم ليست مجرد مناغاة وهدهدة في الطفولة، إذ هي اللغة بكل حيثياتها، لذلك يقولون اللغة الأم. هذه قيمة تعلو في عصر ثورة المعلومات ووسائط الاتصال.

مصر أم الدنيا.. هكذا يردد أبناؤها وبناتها، مباهاة بعراقة حضارتها ربما. في الميثولوجيا أن نوحاً أطلق عليها اسم أم البلاد وغوث العباد، قبل أن يسكنها ابنه بيصر بن حام عقب الطوفان. في تفسير ابن كثير أن مصر ورثت «أم الدنيا» من هاجر زوجة إبراهيم «أبو الأنبياء»، وهي مصرية الأصل، وهي أم إسماعيل «أبو العرب».

الأمهات رمز العطاء والخصوبة والمحبة والدفء والحنان والأرض.