اعتدت دائماً ألا أفكر من خلال مقولتي التفاؤل والتشاؤم، لأنهما في نهاية المطاف لا تعنيان شيئاً، وأنت وحدك الذي تقرر أن تبتسم أو تتجهم، ولكنني تعودت دوماً أن أستهل كل عام جديد بشعور بالسعادة، لأن هناك مجالاً لأن يكون العام الجديد أفضل من الذي رحل لتوه.
لكن العام المنقضي ليس عاماً ككل الأعوام، وإنما هو عام فريد من نوعه، فقد ضم حشداً هائلاً من الأحداث، التي لابد أن يسجلها التاريخ ليؤكد فرادتها، وأن ما كان قبلها يختلف نوعياً عما بعدها، وتضحيات الشعوب في هذا العام لا يمكن أن تذهب هدراً وما سجله الشباب لابد أن يضاف إلى رصيد أمة عرفت المعاناة طويلاً.
لما كانت ذاكرتي ليست من النوع الحديدي، فقد رأيت أن أعود إلى ذاكرة لا تعرف الضعف، ولا تخذل من يستعين بها، وهما ذاكرة الكاميرا، وقد درجت صحف العالم ومجلاته على أن تستعيد العام الذي غربت شمسه بمجموعة من اللقطات التي تستعصي على النسيان، وقد وجدت نفسي أتوقف تلقائياً عند لقطات صحيفة «غارديان» اللندنية التي تعبر، تقليدياً عن يسار الوسط، وأتأملها طويلاً.
اللقطة الأولى، التي توقفت عندها طويلاً في الملحق الذي نشرته «غارديان» يوم الأربعاء الماضي، من تصوير لوسي يونج، وفيها يبدو جثمان الرئيس الليبي السابق معمر القذافي ممدداً في ثلاجة لحفظ المواد الغذائية، وقد غطي ببطانية، وخلت الصورة من أي شيء عدا ذلك.
ما هذه الصورة؟ ما هذه اللقطة؟ ها هنا الحضور الكلي للموت، ولكنه ليس موتاً كالذي يموته كل الناس، وإنما هو موت بائس، كالفجيعة، موت لابد لكل جبابرة الأرض أن يتذكروه، فهو وحده الذي قد يمضي بهم إلى سواء السبيل، إن كان ذلك من نصيبهم.
هذه اللقطة تذكرني بمشهد تاريخي سجله المؤرخ الإغريقي توسيديدس بقلمه الرشيق، عندما حشد الملك الفارسي أحشويرش جيوشه عند الهليسبونكس، فسدت عين الشمس، وما كان منه إلا أن طار فرحاً، لكنه بعد لحظة انخرط في البكاء، فسأله عمه عما يبكيه، فقال إنه تذكر أنه في غضون مئة عام سيكون كل هذا الحشد الهائل من الجنود قد اعتامه الموت، فذهب به إلى رحاب العدم.
كاميرا المصور محمد عابد سجلت في لقطة للوكالة الفرنسية ووكالة جيتي حشوداً مليونية في ميدان التحرير، خلال ثورة الخامس والعشرين من يناير. قبيل الغروب تماماً، حيث النور يعطي آخر ما عنده، والألوان تقدم أفضل عطائها، ويبدو واضحاً أن الصورة مأخوذة من فوق مبنى يطل على ميدان التحرير، فيما بحر من الناس يتدافع، مردداً هتافات الثورة وأناشيدها.
ويقول محمد عابد إن الرهبة استبدت به حيال هذا المشهد التاريخي، وفي الوقت نفسه أحس بالسعادة، لأنه يشارك كل هذه الجموع فرحتها بالثورة وحماسها لها.
كلنا نشارك محمد عابد مشاعره، ونقاسمه فرحته، ولكن ليس كلنا يعرف أن الثورة الفرنسية حصدت الصراعات شبابها، وخطفت ثمارها قوانين أصدرتها قوى وحشية، مثل قانون لي شابليه الشهير، الذي صادر مكاسب الثوار، ومن ثم تسقط الثورة في يد الامبراطور نابليون بونابرت، ساري عسكر الفرنسيس في مصر المحروسة، الذي أصدر مرسوم إنشاء المجمع العلمي في مصر.. لا غيره.
اللقطة الأخيرة في قافلة صور العام الراحل التقطها فيليب براون لحساب وكالة رويترز لفتى صغير ضاحك، يلعب بكرة يبدو أنها تتجه إلى بؤرة الكاميرا، ويقول المصور إن كرة هذا الصغير في شيتا غونغ ببنجلاديش كانت قد فقدت، حيث استقرت فوق أحد المباني، فبادر هو إلى شراء كرة جديدة له، كانت لها البطولة في فرحة الصغير وفي هذه اللقطة.
أتمنى لكم عاماً حافلاً بالفرحة، وخالياً من رماد الحزن، الذي خيم على أمتنا طويلاً.