قال عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، ما معناه «لولا إخوان ينتقون أطايب الحديث كما ينتقى الثمر، لكان بطن الأرض أحب إليّ من ظهرها»، و إذا كان هذا موقع الكلام الطيب على رجل يحمل صفات أمير المؤمنين الفاروق عمر بن الخطاب، الأقرب للخشونة والزهد في الدنيا، فإن ذلك من أقوى الأدلة على أهمية وضرورة ذلك للإنسان، فللكلمة أثرها العميق على الآخرين، وللكلمة حقها على قائلها، والصمت في موضعه كلام.

هذا وكثيراً ما نستدل على صفات الشعوب من كلامهم، وكنت أقول عن الشعب المصري إن عقيدته صافية، لأن المصريين يرددون لفظ الشهادة كثيراً، أيا كان مستوى تدينهم، وأقول عن شعب آخر: «الله يعينهم وهم أسهل شيء لديهم سب الدين والذات الإلهية»، ونقول عن شعب معين «إنه محترم جداً، لأن كلمات التقدير للآخرين تكثر في قاموسهم»، وكلما احترمت الآخر كان هذا دليلاً على رفعتك واحترامك لنفسك»

والقاموس اللغوي لأي شعب نتاج تاريخ، وتفاعلات سمحت بالحذف والإضافة والتعديل على مر السنوات، نتيجة لتغير الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، وها نحن نلاحظ أن التغيرات اللغوية أصبحت سريعة في السنوات الأخيرة، نتيجة لرتم الحياة السريع، وسهولة الاتصال بين البشر، كلمات كثيرة كانت شائعة واندثرت.

وحلت محلها كلمات أخرى، بعضها يبدو مستساغاً والبعض لا، ولكنها اللغة، كائن حيّ يتأثر بكل مكونات البيئة المحيطة من ماء وضوء وهواء، وتلوث وضجيج وضوضاء، وعليك في النهاية تقبل المنتج الذي سيكون، خاصة إذا كنت لا تبذل جهداً لتحسين الظروف المحيطة.

العالم حولنا يهتم بلغته ورصانتها وتغذيتها وتقويتها، وتقديمها في كامل الرونق والبهاء، ودعم مؤسسة الكلام لا جدال حوله، على الرغم من الخراب الذي يطالها أيضاً، إلا أن الأمور لا تُترك هكذا ليوم يصحو فيه المرء على لغة تميت ولا تحيي، تقلع ولا تزرع، تحرق ولا تذر شيئاً.

اهتمام الدين باللغة بالغ جداً، «إنا أنزلناه قرآناً عربياً»، والآيات والأحاديث في ذلك كثيرة لا تحصى، وواجبنا تجاه لغتنا وكلامنا اليوم كبير جداً، وإذا كنا نتحدث عن ضرورة العودة إلى العربية، وإعلاء شأنها على أي لغة أخرى، ونتحدث عن ضرورة الكتابة بالفصحى وليس العامية، ونتحدث عن ضرورة تدريب أبنائنا على الفصاحة والخطابة وقواعد الإصغاء والحديث، ونتحدث عن الاهتمام بما يدور في المجالس من أحاديث، لتكون ذات قيمة وفائدة للصغير والكبير.

وإذا كان حديثنا السابق على هذا المستوى، وهو المستوى الطبيعي لكل البشر والشعوب، فإنه من الصعب اليوم أن نتحدث عن ضرورة تنقية كلامنا من السب واللعن والشتم، إنه انحدار حاد لا مبرر له، وبعد عشرة أعوام سيكون التأثير سيئاً جداً على أبنائنا، وسيصبح العلاج صعباً، لأن ما يسمعونه سيكبر وينمو معهم، ويدخل في تكوينهم وبنائهم.

وإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم قد قال: «ليس المؤمن بالطعان ولا اللعان ولا الفاحش ولا البذيء»، فإن الإماراتي ليس بالطعان ولا اللعان، وهو في بيئة الدين والإيمان والفطرة السليمة والسماحة، قد نشأ وترعرع، الإماراتي كان وسيظل رمزاً للطيبة والوداعة وحسن الكلام وصدق الحديث مع الجميع.