اعتدت، في هذه الأيام من كل عام، أن أتابع بمزيد من الدأب والحرص، ربما إلى حد العناد «التقرير العربي للتنمية الثقافية»، الذي تصدره سنوياً مؤسسة الفكر العربي، التي تتخذ من بيروت مقراً لها، ربما لأنه لم يحدث قط أن خذلني هذا التقرير، ولم ينقطع عن أن يفاجئني بحقائق ومعلومات مثيرة للاهتمام دوماً، وصادمة في الغالب.

التقرير الرابع في هذه السلسلة لم يفقد هذه الخاصية، فالحقائق التي يطرحها لا يمكن إلا أن تثير الاهتمام، حتى وإن كانت تراكم الهموم.

لفت نظري في تقرير هذا العام سؤال لا يمكن إلا أن يكون مثيراً للاهتمام، وهو: ما الذي يشغل الشباب العربي على الإنترنت؟

الإجابة عن هذا السؤال هي أن الفضاء التفاعلي الرقمي العربي، بقنواته الثلاث، أي المدونات والمنتديات والفيسبوك، انتشرت فيه وشاعت 53 قضية، شغلت بال العرب عموماً أو الشباب منهم بخاصة، على امتداد عام 2010.

هذه القضايا سارت في مسارين، أولهما يتعلق بالشأن الخاص، أي الذي يدور في الفلك الضيق للشخص واهتماماته العائلية والعملية والاجتماعية، وبالتالي فقد راح المواطن العربي يبحث في الفضاء الرقمي التفاعلي عن الترفيه، عبر الأفلام والمسلسلات، وعن الفضائح والإرشادات، وخاصة الطبية منها، والغذاء الروحي الذي يتجلى في القضايا الدينية، وأيضاً إشباع النهم الاستهلاكي، عبر قضايا التقنية واستخدامها.

المسار الثاني هو القضايا العامة، أي المتعلقة بالمجتمع والوطن والهموم المشتركة قومياً وإنسانياً في آفاقها الرحبة.

أريد أن أعترف للقارئ بأن الفضول داهمني لمعرفة الإجابة عن سؤال محدد: أين إسرائيل في دائرة الاهتمام العربي في الفضاء الرقمي التفاعلي؟

كعادته فاجأني التقرير، ربما إلى الصدمة، فإسرائيل تحتل المرتبة الثانية والأربعين في المنتديات العربية من بين 53 قضية، أما في الفيسبوك فهي تحتل المرتبة الخامسة والأربعين.

وإسرائيل في هذا التحليل ينظر إليها من سبع زوايا رئيسية، هي الإعلام وما ينشره، جهاز «الموساد» وأنشطته، الجيش الإسرائيلي وممارساته ضد الفلسطينيين واللبنانيين، قضايا الداخل الإسرائيلي، السلوك العدواني الإسرائيلي ضد الفلسطينيين والعرب، العلاقات الإسرائيلية مع العرب وغير العرب، وأخيراً تصريحات قادة إسرائيل ومواقفهم.

نحن، إذن، أمام جمهور لا يكترث بالخطر الأول والأكبر والأهم والذي يتربص بوجوده ذاته.

دعنا ننتقل إلى قضية أخرى، هي قضية الحرية، وخلافاً لما نتوقع، فإن الاهتمام بقضية الحرية يظل محدوداً، حتى وإن كانت تحتل ترتيباً أفضل، حيث تحتل المركز الرابع والعشرين في المدونات، وتحتل المركز العشرين في المنتديات، والمركز السابع عشر في الفيسبوك.

ولكن ماذا عن قضية الاقتصاد؟ إنها تتفرع إلى 25 موضوعاً فرعياً، وحظها أفضل من قضية الحرية، فهي في المدونات تظفر بالمركز الثاني، وفي المنتديات تحتل المركز الحادي عشر، وفي الفيسبوك تشغل المركز الرابع عشر.

وتتعدد الحقائق الغريبة والمذهلة، التي يضمها التقرير العربي الرابع للتنمية الثقافية، لكنني أصارح القارئ بأنني شديد الفضول لمعرفة نتائج تقرير العام المقبل، خاصة وأنه سيتطرق إلى عام مشتعل متوهج بالأحداث والوقائع، وهو عام الناس هذا، فلعل ما يحمله التقرير المقبل من حصاد يكون أفضل وأكثر إثارة للتفاؤل مما هو ماثل بين أيدينا.