ما وقع منذ أيام في القاهرة من أحداث مأساوية راح ضحيتها عشرات الجرحى والشهداء لا يعتبر حدثاً استثنائياً، وليس الأول، ولن يكون الأخير، فقد سبقته أحداث مشابهة كثيرة منذ سقوط نظام مبارك حتى الآن.

وما يجمع هذه الأحداث أن المتهم فيها واحد، وهو «المجهول»، فعلى الرغم من الإجماع على أن هناك جهات محددة هي التي تدبر وتفجر هذه الأحداث بهدف تشويه الثورة المصرية والحد من طموحاتها ومن التأييد الشعبي لها، إلا أن أحداً لا يريد تسمية هذا المتهم المجهول، أو حتى الإشارة إليه من بعيد.

وحتى المسؤولون في السلطة المؤقتة في مصر الآن من حكومة الجنزوري والمجلس العسكري نسمع منهم تصريحات حول وجود جهات مضادة للثورة بعينها هي التي تقف وراء هذه الأحداث، لكنهم لا يقولون ما هي هذه الجهات؟، الأمر الذي جعل الشعب يتخبط ويختلف في اتهاماته ما بين فلول الحزب الوطني وأزلام النظام السابق.

وما بين جهات داخلية ورجال أعمال ارتبطت مصالحهم بالنظام السابق ويخشون على مصالحهم وعلى أنفسهم من تقدم الثورة للأمام، وما بين اتهامات لجهات أجنبية أيضاً لها مصالح في مصر وتخشى على ضياعها من تمادي الثورة المصرية في نجاحاتها.

وهناك من يتهم الجهات الأمنية بأنها تنتقم من الثورة التي حطمت سلطان وجبروت الشرطة، وهناك حتى من يتهم المجلس العسكري بأنه هو الذي يشعل هذه الأحداث ويشارك فيها حتى يجبر الشعب على الموافقة على بقائه في السلطة وتوجيهه لأمور البلاد لأطول فترة ممكنة.

كل هذه الآراء تحتمل الصواب بنسب مختلفة، لكن المؤكد أن من يفعل التخريب والفوضى وأعمال البلطجة والضرب والقتل على الملأ في الشوارع ليس من الثوار، ولا من مؤيدي الثورة، بل هو من أعدائها الأساسيين، ورغم يقيننا بأن كل ما يفعلوه وما سيفعلونه لن يعيد عجلة التاريخ إلى الوراء، ولن يوقف قطار الثورة، إلا أن الأمر لا يجب السكوت عليه أو التعامل معه بهذا الأسلوب البارد والسلبي، وعلى الجهات المسؤولة والمعنية أن تجتهد في الوصول إلى المجرم الخفي، وحتماً سيصلون إليه ويعرفونه، طالما هو مستمر في ارتكاب جرائمه.

القاعدة الأساسية في كشف الجريمة هي «البحث عن المستفيد»، والمشكلة أن هناك أكثر من جهة مستفيدة من إثارة الفوضى والشغب ونشر الرعب والقلق في نفوس المصريين ودفعهم لكراهية ثورتهم التي امتدحها ومجدها العالم كله، لكن من المؤكد أن هذه الجهات المستفيدة يربطها فيما بينها تخطيط وتنسيق محدد، ومن البديهي أنه ليس كل من هو رافض للثورة هو بالضرورة عدو لها، فهناك قطاعات كبيرة من الشعب تركن للهدوء والسلبية ولا تهمها القضايا العامة.

وهناك آخرون كثيرون راضون كل الرضا عن حياتهم في ظل نظام مبارك أو منتفعون بشكل أو بآخر من هذا النظام ولم يرضوا بسقوطه وتغييره، وهناك أيضاً المتعاطفون مع مبارك بشكل إنساني، وهؤلاء جميعاً لا يمكن أن نصفهم بأنهم أعداء للثورة، رغم رفضهم لها. أما المتهمون بالعمل ضد الثورة فهم أعداء الوطن والشعب، ومن المؤكد أنهم يخدمون أجندات ومصالح أجنبية لقوى عظمى خارجية تسعى للسيطرة والهيمنة على الأمور في مصر.

وإلا من أين تأتي لهم الإرادة والجرأة على تحدي ثورة وإرادة شعب استطاع أن يسقط نظام حكم مصر ثلاثة عقود بالفساد والقمع والاستبداد، إلا إذا كانت وراؤهم قوى كبيرة توجههم وتدعمهم، وأيضاً تحميهم، وربما هذا يفسر لنا بعض تصريحات المسؤولين بوجود معلومات حول جهات محددة وراء الأحداث، وعلى الرغم من هذا لا يقتربون منها أو حتى يسمونها، بحجة عدم وجود أدلة.

في النهاية، إذا لم تبادر الجهات المسؤولة في مصر بملاحقة هذا المتهم المجهول والقبض عليه، فستضع نفسها هي محل شبهات واتهامات بخدمة أجندات أجنبية.