كنت أفكر في مسألة قيادة المرأة للسيارة، متأملة آراء ومبررات الداعين إلى إطلاق الأمر لها، والداعين إلى منعها، ونظرا إلى كون أمرالإباحة هو الشائع في العالم، فإن الداعين إلى المنع اليوم مطالبون بإقناعنا بحججهم أكثر من الفريق الآخر.. كامرأة أفضل وجود سائق على القيادة بنفسي، خاصة بعد ازدحام الشوارع عندنا بشكل كبير، وكنت أعجب من امرأة يخدمها سائق وتطالب بأن تقود السيارة بنفسها، مع كل ما يتضمنه ذلك من تبعات، ولم أكن أقتنع كثيرا بالمبررات المطروحة.

ومع الوقت صرت أظن أن أهم ما تنشده المرأة من وراء ذلك، هو استقلاليتها وزيادة استمتاعها بالحياة، أكثر من أي شيء آخر، وذلك عندما تتمكن من الخروج أكثر إلى الأماكن التي تحبها، والتي لم تكن لترتادها بالكثرة والتوقيت الذي تريد مع السائق، خاصة إذا كان هذا السائق يخدم عائلة كاملة، فقيادة المرأة بنفسها، توفر لها لأول مرة سيارة تخدمها هي بالدرجة الأولى. لذا أظن أن الحل الوحيد الذي يمكن أن يقنعها بالتخلي عن رغبتها في القيادة، هو تخصيص سائق لكل امرأة، وكحل وسط ربما كان رفع شعار "سائقين لكل بيت" معقولا.

مهما بدا طرحي السابق غريبا، فهو في سياق وضع اليد على حاجاتنا ومتطالباتنا الحقيقية، بدقة تمكننا من طرح الحلول المناسبة أو تقبل الحلول المطروحة. ففي المجتمع الخليحي الذي يستخدم فيه الرجل أكثر من سيارة أحياناً، ويخرج إلى البر والبحر والديوانية متى شاء، يصعب على المرأة أن تظل بلا أية سيارة، متعلقة بسيارة الأسرة وسائق الأسرة، المثقل بتوصيلات المدارس والمستشفى وحاجات الأبناء...

هذا لا يعني عدم الاعتراف بسلبيات قيادة المرأة للسيارة، وهي كثيرة، وتدفع هي جزءا من فاتورتها، ولكن إذا أردت أن تطاع فائمر بما يستطاع. ونحن نتحدث إلى المرأة بغرض توعيتها بدورها في المجتمع، علينا أن نضع تطلعاتها ورغباتها الشخصية في الاعتبار.

البعض يلجأ إلى سياسة إغلاق الباب أمام ريح ليست في الحسبان، ولا يكلف نفسه تفهم حالة المرأة، وحقيقة مطالبها.. المرأة بشر، لم يعد من الممكن حبسه كالعصفور في قفص وإن كان من ذهب، والبشر حولها منطلقون في حياتهم بكل حرية، وعلى ولي أمرها أن يتواصل فكرياً وشعورياً معها، للوصول إلى تحقيق ما تريد، بما يرضيها ولا يسبب القلق أو الإزعاج له.

قياساً على ما سبق، هناك كثير من الأمور الأخرى المتعلقة بالمرأة، والتي علينا أن نعرف قصدها المحدد منها، من دون لف ولا دوران. وهذا لا يعني أيضاً إمكانية حل كل شيء كما تريد، وإمكانية تطويع المجتمع وقيمه وعاداته لها، كما أنه لا يعني عدم حدوث ذلك أيضاً، ولكنه يخفف من تعنتها وتطرفها في تناول أمور حياتها، عندما تجد من يناقش ويهتم بصدق وتفهم وشفافية.