يذكرني الحديث الدائر الآن حول خروج القوات الأميركية من العراق نهاية هذا العام بأفلام الكاوبوي الأميركية التي كانت تنتجها هوليوود لتصور لنا الأشياء والمفاهيم معكوسة تماماً، حيث يصبح رجل الكاوبوي الأبيض الغازي حامل البارود القاتل الذي يحرق ويدمر هو رمز البطولة والخير والحق.

بينما الهندي الأحمر الضحية صاحب الأرض الأعزل حامل السلاح الأبيض المتواضع هو المجرم الهمجي المتخلف الذي يستحق الإبادة هو ونساؤه وأطفاله وشيوخه باعتبارهم ليسوا بشراً، ودائماً نرى الأميركي يدخل ليحرق ويدمر ويقتل، ثم يخرج بطلاً ومحرراً، ولا يلتفت ولو للحظة خلفه ليرى حجم الدمار والخراب وأعداد القتلى التي خلفها وراءه.

ثماني سنوات قضاها الاحتلال الأميركي في العراق خلفت أكثر من مليون قتيل وملايين الجرحى واللاجئين والأيتام والثكالى، ودُمرت البنية التحتية لدولة كانت تعد من أقوى وأكثر الدول العربية تحضراً وعلماً وعمراناً وثراءً وقوة، ورغم هذا يخرج الأميركان الآن مصحوبين باحتفالات الفاتحين الأبطال، ويذهب رئيس الحكومة العراقية لواشنطن ليشارك في الاحتفالية .

ويضع أكاليل الزهور على قبر الجندي الأميركي المجهول، ويقف الرئيس الأميركي في البيت الأبيض ليقول «خلال الأيام المقبلة يغادر آخر الجنود الأميركيين العراق بشرف وبرؤوس مرفوعة وبعد نحو تسعة أعوام تنتهي في هذا الشهر حربنا في العراق»، هذه العبارة من أوباما هي تجسيد حي وواقعي لمنطق ومشهد البطل «الكاوبوي» الذي كان يخرج من قرية الهنود الحمر المحترقة وخيوله تدوس جثث القتلى وهو مرفوع الرأس مفتخراً بجريمته الشنعاء التي سجلها عليه التاريخ إلى الأبد.

ما حدث في العراق لا يختلف كثيراً عما حدث ويحدث في أفغانستان، حيث سقط عشرات الآلاف من القتلى من أبناء الشعب الأفغاني، معظمهم من الأطفال والنساء والشيوخ بسبب الغارات الجوية الأميركية التي امتد نطاقها إلى كل مكان في أفغانستان وتجاوزها أخيراً إلى باكستان نفسها ليقتل 25 ضابطاً باكستانياً في غارة واحدة، كما قتل قبلهم أكثر من خمسين آخرين.

وكأن الأميركان لا يملكون إلا النار بنوعيها «العدوة والصديقة»، لقد أعاد الأميركان أفغانستان إلى عصور ما قبل التاريخ، وشجعوا زراعة المخدرات ودافعوا عنها، ورفضوا كل المقترحات من روسيا والصين ودول ومنظمات دولية بحرق حقول الخشخاش في أفغانستان.

وكانت حجتهم أن الشعب الأفغاني ليس لديه مصدر رزق آخر سوى المخدرات، ولقد كان عدد أفراد حركة طالبان عام 2003 بعد أن طاردهم الأميركان عامين كاملين لا يتجاوز ثلاثة آلاف فرد، والآن تعدى الثلاثين ألفاً بعد أن انضم إليه الآلاف من أبناء الشعب الأفغاني من أسر وأقارب الضحايا الذين قتلهم الأميركان وحلف الناتو هناك.

وها هو «الكاوبوي» الأميركي يستعد أيضاً للرحيل من القرية المحترقة أفغانستان قبل نهاية العام المقبل، وأذكر هنا تصريحاً للرئيس الأفغاني الأسبق برهان الدين رباني الذي مات في سبتمبر الماضي، والذي حارب السوفييت سنوات طويلة، فقد قال عام 2009 في حديث لتلفزيون فرنسي «لقد دمر الأميركان كل ما بناه الروس عندنا من جسور ومستشفيات وطرق ومدارس»، الروس يذهبون ليعمرون والأميركان يدمرون ويقتلون.

إنها سياسة الكاوبوي التي لا تعرف سوى القتل والتدمير والتخريب، ولا تعرف البناء والتعمير، ولا يقدم الأميركان المال إلا ليشتروا به النفوس والضمائر، وقد اعترفوا أخيراً بأنهم يدعمون منظمات المجتمع المدني في مصر وفي روسيا أيضاً، ويدّعون أن هذا من أجل تحقيق الديمقراطية، وقد شاهدنا ديمقراطيتهم المزعومة في العراق وأفغانستان.

وقد علّق رئيس الوزراء الروسي بوتين منذ أيام قليلة رداً على إعلان الخارجية الأميركية عن تقديمها تسعة ملايين دولار لجماعات روسية للإعداد للانتخابات البرلمانية، حيث قال بوتين متسائلًا «ترى متى سنرى الأموال الأميركية تتوجه في الدول الأخرى للتعمير والبناء والصحة والتعليم والبحث العلمي بدلاً من الخراب والدمار والقتل وشراء الضمائر وصناعة العملاء؟».