«إعادة اكتشاف نجيب محفوظ» هو عنوان الاحتفالية التي تنظمها مكتبة الإسكندرية لإحياء ذكرى الأديب العالمي الكبير بمناسبة مرور مئة عام على مولده، وتستمر حتى الحادي والثلاثين من ديسمبر الحالي.

وليس من قبيل الصدفة أن تقام هذه الاحتفالية في بيت السناري الأثري، العريق، في قلب حي السيدة زينب بالقاهرة.

وكما أشار دكتور إسماعيل سراج الدين، مدير مكتبة الإسكندرية، فإن نجيب محفوظ لم يعبر عن قضايا المجتمع المصري وهمومه وحياته اليومية فحسب، وإنما عبر عن هموم الإنسان بمعناها المطلق والشامل، في كل زمان ومكان.

وقد تزامن انطلاق هذه الاحتفالية مع انشغالي بمجموعة من الأفكار، أولاً أن هذا العام الذي يمضي مسرعاً، من دون أن يترك لنا سوى تلويحة وداع، كان هو العام الذي تعين أن نتذكر فيه نجيب محفوظ، وأن نحتفي به، ولكن أحداثه الجسام أنستنا كل شيء، حتى الأديب الكبير، ويكفي أن أكثر الجهات في عالمنا العربي إصداراً للكتب عن محفوظ هذا العام لم تكن إلا دار النشر التابعة للجامعة الأميركية بالقاهرة، ويا للعجب!

أما الفكرة الثانية التي استغرقتني طويلاً فهي تدور حول الاغتراب عند نجيب محفوظ.

ولرب سائل: وهي كان عند نجيب محفوظ اغتراب وهو الرجل الذي كانت ضحكته المجلجلة عنواناً له، والذي يعد أكثر الأدباء العرب نجاحاً وتوفيقاً منذ ارتبطت رقة الحال بالأدب في عالمنا العربي، حتى ليقال أدركته حرفة الأدب في معرض الإشارة إلى البؤس والمعاناة؟

وأقول إن نجيب يبدو، للوهلة الأولى، بعيداً كل البعد عن مفهوم الاغتراب، ولكن إنتاجه الغزير لا يمكن إلا أن ينكشف عن ارتحالات مدهشة في الاغتراب.

منذ قرأت نجيب محفوظ، في صدر العمر، توقفت طويلاً عند تمزق أبطاله، وحاولت أن أفهم كيف يجعلهم محفوظ يواجهون هذا التمزق، الذي لا يعدو أن يكون تجلياً آخر للاغتراب.

وكل من قرأ، بحب وتعاطف، ولو جانباً من إنتاج محفوظ الغزير لا بد له من أن يعرف أن نجيب رسم لأبطاله دروباً شتى للخروج من دائرة الاغتراب الجهنمية.

وإذا شئت تلخيصاً لهذه الدروب فما عليك إلا أن تعود لمفهوم الدين عند محفوظ، الذي يصل إلى نبعه الصافي في الصوفية، التي تعكس قطيعة مع انكفاء الناس اللاهث على دنياهم الغارقة في الرماد والشرور والأطماع، وصولاً إلى حد الاحتراب.

والفن عند نجيب محفوظ طريق آخر للانعتاق من ربقة الاغتراب، باعتباره عودة لتوحد الإنسان مع أكثر ما فيه رقة وسمواً وإنسانية، ورحلة الإنسان في عالم الفن أقرب إلى عودة القطرة الصافية إلى نبعها أكثر من أي شيء آخر.

والحب درب آخر للانعتاق من ربقة الاغتراب عن محفوظ. أليس العاشق عنده، في المقام الأول، متمرداً على ما يجعل الإنسان رهينة للكره وعبداً للحقد؟ أليس هذا العاشق ساعياً دوماً إلى الخلاص من الأنانية وعبودية التملك، وكل ما يقلل من قيمة المحب في نظر حبيبه؟

وتكتمل دائرة هذه الدروب بالسياسة التي هي سعى إلى الخلاص. أليست الثورة عند محفوظ تمرداً على الأغلال التي تفقد الإنسان إنسانيته، وتجعله عبداً لأطماع الآخرين، وسعيهم لإذلاله وتجريده من إنسانيته، وتحويله إلى شيء تتلخص قيمته فيما يباع به ويشرى؟

يؤذن العام بالرحيل، وكم هي جميلة لمحة تذكر العم محفوظ، ربما لأنها تذكرنا بأننا نسينا أنفسنا، نسينا أرقى ما فينا، نسينا إنسانيتنا، التي لا بد من أن نناضل لاستعادتها، حتى لا تصبح مجرد ذكرى مفقودة.