من المهم أن يتساءل أحدنا بين فترة وأخرى عن حاجاته الحقيقية، ذلك لأن الكثيرين يتوهون في عدد من الحاجات التي يظنونها هي المطلوبة والملحة، ولكن كلما حققوا إحداها، وجدوا أنفسهم واقفين عند نقطة البدء، يشعرون بحاجتهم إلى شيء أو أشياء أخرى غير تلك التي كانوا يجرون خلفها.

الأمثلة على ذلك كثيرة، منها الرجل الذي يظن نفسه محتاجاً إلى زوجة جديدة، فإذا به بعد فترة من الزواج يعود ليشعر بالخلل والنقص في حياته، ومن الأمثلة المرأة التي تظن كل مشاكلها ستحل بالطلاق، ولا يحدث، والبنت التي تظن سعادتها ستكتمل بالزواج، ولا يحدث أيضاً، ومنها الرجل الذي يرى وظيفته مصدر بؤسه، ولكنه يظل تعيساً بعد تغييرها، كل هؤلاء لم يعرفوا ما يحتاجونه بالضبط.

وقد تكون حاجاتهم أبسط مما يظنون، فأحدهم اكتشف بعد طول عذاب، أن كل ما يحتاجه هو سائق خاص له، لأن قيادة السيارة تسبب له الضيق والتوتر، وكان ينفق ماله على الفنادق والأسفار هرباً من الضيق، آخر اكتشف أن ما يحتاجه ليس زوجة أخرى، وإنما بيت جديد، يعيش فيه، وما إن فعل ذلك حتى أحس بالتغيير والسعادة، وهكذا فإن وضع أيدينا على ما نحتاجه فعلاً أمر مهم جداً في الحياة.

الجهات المسؤولة عليها التفكير جيداً فيما يحتاجه الفرد ويريده أيضاً، في التعليم مثلاً فإن ما يحتاجه الصغار هو بيئة دافئة مريحة تحتضنهم، وتعمل على جعلهم يعيشون الساعات الدراسية كجزء من الحياة، لا كمكان رسمي جامد، يحتاجون إلى التعلم بلغتهم لا بلغة غيرهم، يحتاجون إلى اللعب والجري والانطلاق، لا أن يكبلوا بالامتحانات وحصص المراجعة منذ طفولتهم المبكرة، وما نريده نحن منهم هو الشخصية السوية الإيجابية المرحة المتعلمة تعليماً جيداً يفيدها في الحياة اليومية والجامعية والعملية في المستقبل.

ولكن جل ما نفعله لا يمضي فيما نريد ويريده أبناؤنا فعلًا، فلا نجــــــد في مخـــرجات التعليم ما أردناه من سلوك أو طريقة تفكير أو حصيلة علمية، فماذا كنا نفعل بهؤلاء الصغار كل ذلك الزمن؟ وعلى ماذا كان صرف الجهود والأموال والذهاب والمجيء كل يوم إلى المدرسة؟، متى نعي الأشياء البسيطة التي نريدها فعلاً في مجال التعليم، ونشيع جو الراحة النفسية عوضاً عن التوتر السائد في أغلب المدارس والجهات التربوية ؟

في الصحة، يبدو من الصعب تسيير الأمور في غير ما يريد المريض فعلًا، لأن فاتورة ذلك تكون الموت المحقق، ولكن ذلك يحدث بطرق غير مباشرة أحياناً، فما تريده دائرة الصحة هو علاج المريض، ولكن عندما تضع نصاب الطبيب يصل إلى 6 مرضى في الساعة.

فإن ذلك لا يمكنه من علاجهم كما ينبغي، وبالتالي تتفاقم الأمراض ويزيد هدر الأموال، والأسوأ من ذلك شغل الأطباء والعاملين في الجهاز الطبي بأشياء جانبية تشغلهم عن التركيز في مرضاهم؛ مثل عمل مخططات وبرامج قد تبدو صورية أحياناً وغير ذات جدوى، اللهم إلا تزيين الملف الوظيفي، ما نريده فعلاً هو طبيب لديه متسع من الوقت لعلاج المريض، وأدوية متوافرة، ومستشفيات جيدة. ما نريده في النهاية هو إنسان سليم معافى، فإذا كان ما نفعله يركز على الشكليات، أو توفير المال بأي طريقة، فنحن لا نفعل ما نريد فعلاً في مجال الصحة، ولن نحصل على ما نريد.

بين فترة وأخرى علينا أن نراجع أنفسنا أفراداً ومؤسسات ونسألها: هل هذا فعلاً ما أريد؟ هل هذا فعلًا ما أحتاج؟ هل ما أبذله من جهد وأضيعه من وقت سيأخذني إلى نتائج مفيدة ومريحة وجيدة لي، علينا فعل ذلك بوضوح ودقة كي لا نجد أنفسنا كمن وضع السلم على الجدار الخطأ، ليكتشف بعد طول صعود أن عليه العودة والبدء من جديد.