أن تأتي الانتخابات بعد الثورات بالتيار الإسلامي "السياسي"، أمر بدهي ومتوقع، ومنطقي أيضا، حيث أتت الانتخابات مباغتة لجميع التشكيلات السياسية الأخرى، وليس هناك سوى الفصيل الإسلامي من يملك قواعد شعبية منظمة، أو له حضور في الشارع من قبل الثورة.

وفي مصر بالتحديد، لم تكن هناك على الساحة أية قوى سياسية سوى الإخوان المسلمين، بينما احتوى نظام مبارك كافة التنظيمات والأحزاب السياسية، وحولها إلى مكاتب خاوية تتصارع داخلها شلل وأفراد، ولم تكن لها أية قواعد أو تواجد في الشارع المصري.

ونتذكر أنه عندما تولى أنور السادات الحكم في مصر عام 1971، واجه معارضة قوية من اليساريين، فاستعان بالإخوان المسلمين وأعادهم للحياة السياسية ليضرب بهم اليساريين. أما مبارك، الذي لا يختلف اثنان على أنه الأضعف سياسيا بين كل من حكموا مصر قبله، فقد استطاع بالاستعانة برجال المال والأعمال أن يحتوي اليسار المصري بكافة طوائفه.

وساعده على ذلك تشتت اليسار وتفككه بعد انهيار الاتحاد السوفييتي. ولهذا لم يبق سوى الإخوان المسلمين الذين لقوا دعما خارجيا كبيرا، حتى من الغرب الذي كان يدعم نظام مبارك ويحميه، وخيوط التواصل بين الإخوان المسلمين والغرب قديمة ومعروفة، ولم تنقطع على مر السنين، حتى لو أنكروا هم ذلك.

ونذكر عندما كان أمن مبارك يلقي القبض على معارضين يساريين، لم نكن نسمع أي ردود فعل في الغرب الذي كانت منظماته الحقوقية تصعد حملاتها عندما كان يلقي القبض على أحد من الإخوان المسلمين.

أيا كان الأمر، فإن تفوقهم وفوزهم بالأغلبية في البرلمان لا يزعجنا، لأنهم بذلك وضعوا أنفسهم في اختبار أقوى بكثير من إمكانياتهم، وأي فصيل يطمح للانفراد بالسلطة في هذا التوقيت ويجرؤ على تحمل مسؤولية هذه التركة ثقيلة الأعباء، ويواجه وحده هذا الكم الهائل من المشاكل في كل مكان ومجال، لا شك أنه يُقدم على الانتحار السياسي ويضع نهاية مستقبله بيده.

والإخوان المسلمون بالتحديد، منذ ظهورهم في مصر في العشرينات من القرن الماضي، اعتادوا على العمل السري أو التواجد في جبهة المعارضة، ولم يصلوا للسلطة من قبل، ولم يطمحوا لها، وليست لديهم برامج عمل وخطط واضحة ومحددة لتسيير الحكم، وفوزهم في الانتخابات ليس نتيجة لأية ثقة شعبية فيهم.

فالثقة لا تأتي إلا بعد التجربة، لكنها مسألة تعاطف ومشاعر دينية وغياب كبير للوعي السياسي لدى جموع الشعب المصري، هذا الوعي الذي بدأ في طور التشكل بعد ثورة 25 يناير، لكنه يحتاج لسنوات طويلة حتى يبلغ النضوج.

إنني على يقين من فشل الإخوان المسلمين في تحقيق أي تقدم أو إنجاز في الفترة القادمة، وهم يعلمون جيدا أن الشعارات التي اعتادوا على رفعها، لا تسمن ولا تغني من جوع، وأن الناس ليسوا بحاجة لمن يعلمهم أمور دينهم ويرشدهم للصراط المستقيم، ويعلمون أيضا أن غالبية الشعب أكثر إسلاما وتدينا، حتى من الكثير من قادة تنظيم الإخوان المسلمين أنفسهم، الذين لم يشهد لهم أحد من قبل بالمرجعية الدينية، ولم نسمعهم يتحدثون قط في الدين.

وبالتالي فالمطلوب هو التعامل بواقعية وبشكل مباشر مع مشاكل الجماهير الحياتية، ومع قضايا الوطن المصيرية، وهذا هو الاختبار الذي لم يُعد الإخوان أنفسهم له طيلة سنوات عملهم التنظيمي السري، الذي كان من أهم قواعده ومبادئه "عدم الوصول للسلطة"، لا للرئاسة ولا للحكومة.

وهذا ما أعلنوه صراحة مرارا وتكرارا، لأنهم تأسسوا ونشؤوا ليعملوا كأداة ضغط على السلطة، وليس كوسيلة للحصول على السلطة. وهذا ما يفسر رفض قيادات التنظيم مبدأ الترشح للرئاسة، أو تشكيل حزب سياسي يسعى للحصول على الأغلبية في البرلمان، وهذا سبب الخلافات المشتعلة الآن داخل التنظيم، والتي أعتقد أنها ستزداد اشتعالا في الأيام والسنوات القليلة القادمة.