نعم، باراك أوباما لا يمانع التعامل مع الحركات الإسلامية في مصر حال فوزها في الانتخابات. هو تتويج صريح وإخراج واضح لما دار بين سطور المقالات و"المصادر المطلعة"، بشأن ملامح تحالف في الأفق بين الولايات المتحدة خصوصاً والغرب عموماً، وبين جماعة "الإخوان المسلمين"، ليكون للأخيرة دور قيادي في تحالف القوى الوارثة لأنظمة استبدادية انتهت مدتها.

على أن تقدم أحزاب الجماعة في المغرب وتونس ومصر، وهذا التحالف يحمل في طياته محطات لا بد من الوقوف عندها سريعاً: هناك إصرار غربي على المحافظة على المعادلة السلطوية ذاتها في الشرق الأوسط؛ أنظمة و"جماعة بديلة"، وهو ما يخرج قوى تنويرية أخرى خارج هذه المعادلة، رغم ليبراليتها وأفكارها الانفتاحية، بدلالة معاجلة قوى الـ"فيسبوك" الناشئة حديثاً بانتخابات متسرعة، من دون إعطائهم فرصة التنظيم في كيانات سياسية ومكاتب انتخابية، وتوفير التمويل اللازم للعبة الانتخابية.

هذا الإصرار هو ما يفسر عدم اتعاظ الغرب من التجارب السابقة مع الحركات الإسلامية، وأبرزها ذلك التحالف الأشهر مع "المجاهدين" في أفغانستان لطرد الاتحاد السوفييتي منها، قبل أن تتم المهمة وتسود سلطة النص الديني الموجهة، التي فرخت جماعات غردت خارج سرب التحالف، وضربت الغرب نفسه وانطلقت ظاهرة "الإسلاموفوبيا".

ما يريده أوباما ولفيفه من ساسة الغرب، واضح: إنزال الحركات الإسلامية عن الشجرة، وإخراج قواها من وراء الخنادق والمتاريس، ودفعها للانخراط في الشارع السياسي والاقتصادي والاجتماعي، كي ينكشف الإحراج بين برامجها النظرية وآليات التطبيق العملية والواقعية لهذه البرامج، وهو ما يمكن أن يطلق عليه تفكيك "البديل الديني" من الداخل، ذلك أن وصول هذه الجماعة إلى الحكم يفرض عليها مسؤوليات ثقيلة واستحقاقات أثقل، في مقدمها الاضطرار للانضمام إلى المنظومة المصرفية الدولية والتجارة الخارجية والانفتاح، لا الانعزال، على العالم والمحيط.

هذا يفرض علينا البحث في الخيارات الأخرى، التي تشكل في مجملها مشهد الربيع العربي المقبل. تعلم واشنطن أن البدائل السابقة التي سادت في فترة ما بعد الاستعمار التقليدي، من حركات قومية وماركسية، اختفت تماماً ولا فرصة لها للنهوض مجدداً، لانتفاء الشرط الموضوعي مع تعمق النظرة الإقليمية بين الأقطار العربية، وتضارب المصالح وتفاوت الاقتصادات ومستوى المعيشة، علاوة على رسوخ الثقافة الليبرالية لدى أوساط الجماهير العريضة.

وعليه فإن البدائل المتوفرة هي الحركات الإسلامية، أو بدايات الحركات الليبرالية، وتالياً فإن البراغماتية والمصلحية الغربية تفرض اختيار الحركات الإسلامية، لأن الطبقة المتوسطة العربية الناشئة ممثلة بجيل الـ"فيسبوك"، تحمل مشروعاً نهضوياً جديداً قوامه الديمقراطية الحقيقية وعجلة الإنتاج، وهذه الأخيرة غير مرغوبة في معادلة "الغرب المنتج والجنوب المستهلك".

سواء رضينا أم لا، العالم وصل إلى وضع عصي تماماً على التغيير، فما البال بمحاولة رده إلى الوراء! ولنتذكر جيداً أن الثورة الفرنسية التي غيرت العالم، هي ثورة علمية أولًا وثقافية ثانياً، قامت على التحرر من السلطة الدينية الموجهة لمصلحة رجالات بعينهم، وفتحت مساحات جديدة للعقل البشري، ليطلق عجلة الإنتاج وقيمه التي غيرت الدنيا.

الغرب يرتكب خطيئة جديدة في منطقتنا، لأن فلسفة التدخل في شؤوننا لم تتغير في اتجاه الشراكة، فمع الربيع العربي، ثارت الآمال بأن الدفع بعجلة الإنتاج في منطقتنا على أسس المشاركة والانفتاح العالمي، هي التي ستقود إلى الازدهار وتغيير الذهنيات المتكلسة، وانطلاق الثورة الإدارية بديلاً للتخلف البيروقراطي.. لكن نذر القادم تحمل غير ذلك.