يثور الجدل والنقاش على الساحة في مصر، حول ما سمي بوثيقة الدكتور علي السلمي نائب رئيس الوزراء، والتي تضمنت ما يشبه مبادئ أو بنود مشروع دستور جديد، وربما يكون رفض هذه الوثيقة هو أول شيء تتفق عليه كافة القوى والتيارات السياسية على الساحة المصرية منذ إسقاط نظام مبارك، وحجة الجميع في رفضها، أنها تمنح المجلس الأعلى العسكري سلطات واسعة. والحقيقة أنني قرأت هذه الوثيقة أكثر من مرة، وخاصة البنود المتصلة بالمجلس الأعلى العسكري، ولم أجد فيها ما يثير كل هذا الخوف والفزع، ربما لأنني خارج الساحة ولا أنتمي لأي تنظيم أو حزب أو جماعة، وليست لدي أية طموحات في السلطة القادمة.

ما ورد في وثيقة السلمي عن دور وسلطات المجلس العسكري لا يستحق كل هذه الزوبعة، وما يحدث من ردود فعل لدى القوى السياسية على هذه الوثيقة، إنما يعكس في الواقع الصراع الدائر في الخفاء بين هذه القوى والتيارات السياسية وأطماعها وطموحاتها في السلطة، سواء في الانتخابات البرلمانية أو الرئاسية، أما التخوف من المجلس الأعلى العسكري ووصفه بأنه شكل من أشكال «حكم العسكر» فأمر لا مبرر له. وأنا هنا لا أدافع عن المجلس العسكري، ولا أستبعد عنه الشبهات التي تحوم حوله، لكن ما يقلقني هو هذا التكالب والصراع على السلطة القادمة في مصر، وهو الأمر الذي دفع فئات عديدة من الشعب المصري للتظاهر والاحتجاجات والاعتصامات والإضرابات والصدامات التي راح ضحيتها الكثيرون. هذه الفئات من الشعب تشعر بأن ثورتها تسرق منها، وأن قضاياها التي كانت مهملة من قبل نظام مبارك لا تجد من يهتم بها بعد الثورة، هذه الفئات المطحونة والمهملة ثلاثين عاماً مضت، تتابع الإعلام والفضائيات وما يحدث على الساحة السياسية، فلا ترى سوى صراعات النخبة على المقاعد القادمة في السلطة، سواء في البرلمان أو في الرئاسة، ولا تجد من يهتم بقضاياها ولا من يهتم بالأمن المتدهورة أحواله في البلاد، وتفاجأ هذه الفئات بمن يخيفها من وثيقة السلمي وحكم العسكر، وكأن الثورة المصرية جاءت لتزيد خوف ورعب الناس، لا لتحررهم وتمنحهم الثقة في أنفسهم. لقد بات الشعب المصري لا يثق في أحد، بعد كل حملات التخويف والترهيب التي عاشها بعد الثورة، بداية بالشبيحة والبلطجية، ومروراً بالخوف من الفلول، ومن الإسلاميين والسلفيين، ومن العلمانيين والليبراليين وغيرهم، وصولًا للخوف من العسكر ومن المجلس العسكري.

لا مانع من حكم العسكر، ولو لفترة انتقالية محددة، ولكن السؤال هو، أي نوع من العسكر نحتاجه الآن؟ نحن بحاجة لعسكر وطنيين يؤمنون بصدق بثورة هذا الشعب من أجل التغيير، ولا يعيرون أي اهتمام أو اعتبار سوى لمصالح الشعب والوطن، ولا يخضعون لأية تأثيرات أو ضغوط داخلية أو خارجية، سياسية كانت أو اقتصادية، فكرية أو عقائدية، وأهم من ذلك كله يؤمنون بالديمقراطية وبتطور الزمن ومتغيراته، وبأن عالم الديكتاتوريات قد ولى بلا رجعة. ورغم احترامي للمجلس العسكري الأعلى الحالي، وتقديري لدوره الكبير في دعم الثورة المصرية، لكنني لا أتصور أنه تتوافر فيه كل هذه المواصفات، ولست على يقين بأنهم جميعهم مؤمنون بالثورة وبالتغيير، ومهما قيل من عبارات منمقة وجميلة حول التلاحم بين الجيش والشعب، فإنني على يقين بأن الثورة المصرية هي التي فرضت نفسها، وهي التي حركت الجيش في هذا الاتجاه دون غيره، واضطرته لاتخاذ هذه المواقف دون غيرها، وهذا في حد ذاته لا يعيب الجيش في شيء ولا يقلل من دوره في دعم الثورة.

وختاماً نقول للقوى والتيارات السياسية كافة، وأيضاً للمجلس الأعلى العسكري، كفاكم تضييعاً للوقت في صراعات وحوارات وجدل عقيم، حول الدستور وشكل الدولة والانتخابات وغيرها، والتفتوا لقضايا الشعب الحقيقية، قبل أن يفيض الكيل وتنفجر الميادين عن ثورة أخرى لا يعلم عقباها إلا الله.

 

elmoghazy@hotmail.com