عندما توشك الطائرة على الهبوط في مطار القاهرة، وقد اتشحت السماء ببوادر المغيب، وأطلت السحب النادرة وكأنها تعانق حبيباً طال انتظاره، تمتد أمامك القاهرة كياناً هائلاً من الأنوار والمباني والسيارات والناس، وتحاول أن ترصد ملامح مألوفة لديك، وتكتشف أنك عبثاً تحاول، ربما لأن بصرك لم يعد قوياً كعهدك به، أو كما تأمل أن يكون، أو أن كثيراً من معالم الضاحية العتيدة مصر الجديدة قد تغير إلى حد أنها لم تعد ضاحية، وإنما امتداداً للمدينة الهائلة.

لست وحدك الذي تعلق ناظراه بهذه المدينة، فالتجربة التي تختمر على أرضها تستقطب اهتمام الكثيرين على امتداد الدنيا، والانتخابات الوشيكة لا تعنيك أنت وحدك، وإنما كثر هم المراقبون في أرجاء العالم الذين ينتظرون نتيجتها، ويتساءلون عما إذا كانت ستفضي إلى ديمقراطية تحتمل وعداً بالاستمرار أياً كانت نواقصها وعيوبها، أم أن هناك من سيدخل من باب الديمقراطية، ثم يغلق الباب ويحكم رتاجه، على الأقل في المستقبل المنظور.

أحزاب عديدة وفرق شتى وجماعات عدة تسابق الزمن، وتنكب على حسابات الحقل والبيدر، فبأي قسط من الكعكة ستفوز، وأي الحقائب ستنتزع وأي القطاعات ستهيمن عليه.

وبين التأمل في الأفق المتشح بالغسق وبين الأسى على التضارب الوشيك بين حسابات الحقل والبيدر، لا تملك إلا الرحيل بالذاكرة إلى العلامة الراحل جمال حمدان.

ألم يحذرنا هذا العالم الجليل من الاختلاف على الماء وإدارته يمكن أن يحيل الوادي إلى غابة تهدر فيها الدماء ويأكل فيها القوي الضعيف؟ ألم يؤكد أن وحدة القلوب والإرادات هي وحدها التي يمكن أن تجعل هذا الوادي ذا التاريخ الراحل في الحزن والغارق في المأساة جنة الله في أرضه.

هناك من يسارع إلى تجاهل هذا السؤال، ويبادر إلى اقتراح هذه التجربة أو تلك نموذجاً أو مثالاً، وثمة من يتوقف طويلاً أمام التجربة التركية في التحديث، وهناك من يدعونا إلى إلقاء نظرة أعمق على ما أسفرت عنه الانتخابات التونسية.

ليكن، فمن المفيد أن تدرس تجارب الآخرين، ومن المهم أن تتأمل انتخابات توشك أن تمضي إلى ما يناظرها.

لكن من الأهم أن تتأمل أكثر هذه المدينة المتشحة بالمغيب، وأن تحاول أن تتعمق أسرارها، فقد كانت دوماً، منذ ذلك التاريخ البعيد الذي حملت فيه اسم منف، قادرة على أن تفاجئ الجميع، وعلى أن تدهش الكل، لأنها تملك منطقها الخاص، ودينامياتها الذاتية.

ما أعرفه عن هذه المدينة أنها كانت دوماً قادرة على النهوض من تراجعاتها، وعلى تجاوز هزائمها، وعلى العض على جراحها، وعلى تجاوز نكباتها، ومن يقرأ التاريخ يعرف أنها دافعت عن طميها في قلب الصحراء، وأن أبناءها كانوا دوماً يملكون القدرة على المضي إلى رحاب الموت طوعاً من أجل الحياة.

لكن شيئاً جوهرياً ينقصهم اليوم، شيئاً يعرفونه جميعاً، لكنهم ضلوا الطريق، إلى حين، إليه، شيئاً اسمه الإرادة السياسية، اسمه النهوض عن قلب رجل واحد، ولست أشك في أنهم سيستردون هذا الشيء الوحيد النادر الثمين، في وقت أقرب بكثير مما يتصور الجميع، وقد تكون الانتخابات الوشيكة هي المدخل للوصول إليه.

وكل ما أملك أن أقوله لتلك المدينة المتشحة بالمغيب والسحب المفعمة بالشجن حتى حواف الدمع هو القول: فلتبقي في فرح.