عندما يسر الرئيس الأميركي باراك أوباما، لنظيره الفرنسي نيكولا ساركوزي على هامش "قمة العشرين"، بأنه "مضطر" للتعامل مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو يوميا، وذلك في معرض تشكي ساركوزي من كذب الأخير، فإن الميكروفون المخادع هذا كشف أيضا عن دواع ودوافع أكثر خفية، تفسر ما يجري في علن الأروقة الدولية.

وإذا ما أضفنا ما كشفته الصحف البريطانية بشأن تفضيل أوباما تناول الغداء مع عائلته، على لقاء نتانياهو، فإن تعاطفا تلقائيا يتسلل إلى تحليل المشهد، لجهة ضعف رئيس أعتى الدول أمام دولة هي صنيعتها وطفلها المدلل، الناهب لجيوب إخوته دافعي الضرائب.

غير أن عدم الانعتاق والركون المريح لسؤال "من يهز الآخر الكلب أم الذنب" لدى الحديث التقليدي عن العلاقة بين أميركا وإسرائيل، يؤشر إلى بعض الحقائق علها مجتمعة تقترب من الصواب:

أوباما على أبواب انتخابات رئاسية تبدو فيها حظوظه قليلة، بعدما ألهب مخيلة الأميركيين بشعاره "تغيير المسار"، ووعود التأمين الصحي وخفض البطالة والضرائب، ولا قبل له حاليا بمواجهة "اللوبي" الإسرائيلي الثري في بلاده.

اشتهر نتانياهو تاريخيا، منذ خدمته في نيويورك، بعلاقاته الوثيقة مع "لوبي" ملته في بلاد العم سام، ومدى تأثيره عليهم بما أنه "يفكر بالطريقة الأميركية"، وخطاباته المدمجة بإحكام ألهب أكف أعضاء الكونغرس مجتمعين أكثر من مرة، وهو ما يجعله خطرا كبيرا على أوباما.

هذا الحال لا يعني، بالطبع، استسلام أوباما لحماقات نتانياهو التاريخية، بل إن عجلة الضغوط الخفية تتحرك ولو ببطء، نحو جينات العناد لدى رئيس الوزراء الإسرائيلي، وفي مقدمها التلويح غير المباشر بالمحكمة الجنائية الدولية، من بوابة محاولة انتزاع العضوية الكاملة للدولة الفلسطينية في الأمم المتحدة، ومنظماتها، وأهمهما على الإطلاق في الشأن الفلسطيني محكمة لويس أوكامبو.

الأزمة الناشبة فجأة بين تركيا وإسرائيل لا يمكن تفسيرها إلا في هذا الإطار، فكسر التحالف الأمني العسكري المنيع بينهما، يتطلب أكثر من مقتل عدد قليل جدا من الأتراك المتضامنين مع غزة.

الهجوم مجهول المصدر على مبنى السفارة الإسرائيلية في القاهرة أيضا، وذلك الإجلاء المهين للسفير وطاقمه، فضلا عن التفجيرات المتتالية لأنبوب الغاز شبه المجاني، يصب في ذات الحصار المتشكل على "غيتو" نتانياهو.

إذن، هذه أوراق الضغط الخفية، المرسومة بدقة من قبل أوباما، أو التي أتت بتزامن الصدفة المحضة، فماذا في جعبة نتانياهو الذي لا يستطيع المجاهرة بالعداء لأوباما، ويحتاج لموقف تصادمي عدائي علني تجاهه من قبل الرئيس الأميركي، حتى يحرك أذرع الإقناع في "اللوبي" الإسرائيلي؟

من غير سابق إنذار، انطلقت التصريحات صادحة من منابر حكومة نتانياهو، تتوعد علنا بتوجيه ضربة عسكرية إلى إيران، بدعوى ظهور أدلة تفيد بمحاولتها بناء قوة عسكرية نووية، وهو التهديد الموجه أساسا إلى أوباما نفسه، ومفاده أن إسرائيل تستطيع جر أميركا وتوريطها في خطط هي غير مستعدة بعد لها، ومن دون الالتفات إلى الأزمة الاقتصادية الطاحنة التي تعانيها، وهو ما وجد صدى من السذاجة لدى قادة طهران، الذين تماشوا مع لعبة نتانياهو عبر إطلاق التهديدات التسخينية المضادة.

ترى هل كل ما سبق يفسر التصريحات العجيبة الصادرة عن السلطة الفلسطينية، التي تفيد بتراجعها المريب عن معركة انتزاع عضوية الدولة في الأمم المتحدة؟!