نشأ الناس في هذا الجزء من العالم على مبدأ التقوى في الدين والوقاية في الحياة، فتجدهم يضعون بينهم وبين الذنب جدراناً وسواتر ويقيمون بينهم وبين الخطأ مسافات شاسعة، هكذا سلم الناس في حياتهم ومضوا فيها بأقل الخسائر.
ولكن جيل اليوم وعلى الرغم من حاجته الماسة إلى مثل هذه المبادئ والمعاني في خضم حياة أكثر تعقيدا من الماضي إلا أنه أطلق العنان لحبل أفكاره وطاقاته، فتراه مندفعاً تجاه كل ما يريد ويحب دون حساب كبير للدين والعرف أو اهتمام بالمال أو الصحة. كثيرة هي المآسي التي نراها كل يوم نتيجة لذلك، وبعضها يصدمنا بشدة لأننا لم نتصور حدوثه، فضلاً عن تحوله إلى ظاهرة ثم إلى سلوك طبيعي لا يلفت نظر أحد، والمشكلة ليست في الجيل الجديد فقط، ولكنها في الآباء والأمهات أيضاً الذين صار يسهل على كثير منهم خلع مبادئه ونسيان ما ربي عليه من قيم وضوابط.
ازدياد حالات الطلاق أحد أهم الظواهر الدالة على التساهل في تناول قضايا الحياة الزوجية ومشاكلها، سواء من الزوجين أو من ذويهما، وكثيراً ما نسمع من الشباب والشابات المقبلين على الزواج عبارات تدل على وضعهم للطلاق حلا سريعا لأية مشكلة، خاصة عندما يحذران من مغبة زواج لا تتوفر فيه شروط الاستقرار، فتراهم متسرعين في اتخاذ قرار الزواج، لأن لا شيء يخيفهم في الأمر، فإن مضت الأمور كان بها وإلا فالطلاق ليس نهاية العالم.
الآباء والأمهات يقفون مع أبنائهم مستندين على ذات القواعد التي يستند عليها الأبناء، ونسوا وصايا الأقدمين التي كانت تمنح القداسة اللامتناهية للرباط الزوجي، وتحث الرجل على البذل والعطاء والتغاضي، وتحث المرأة على الصبر والتحمل واستيعاب حالات الرجل ومصاعب الحياة.
لقد كثر الحديث في ذلك حتى نسي الأمر في خضم ما ننساه من قضايانا الملحة كل يوم، ولكن الجديد في الأمر ليس انتشار ظاهرة الطلاق بشكل عام وإنما تزايد حالات الطلاق في الشهور الأولى من الزواج، وشخصياً أعرف أربع حالات من هذا النوع حدثت في الشهور الستة الأخيرة، وفي كل هذه الحالات كانا العروسين يعودان من رحلة شهر العسل كل إلى بيت والديه مشبعين بالرغبة السريعة في الانعتاق من قيد حياة رأوا أنها فاشلة منذ البدء.
فلسفة الحياة السهلة دون أدنى منغصات، إضافة إلى مبدأ الحرص على الإشباع التام هو الذي يأخذ الشباب وذووهم إلى استسهال أمر الزواج والطلاق معاً، وهي نفس المبادئ التي قادت الكثيرين إلى جني الملايين بأية طريقة كانت ليقضي بقية عمره وراء القضبان، هي نفس المبادئ التي تجعل أحدنا يعيش تحت رحمة البنوك والديون لشراء سيارة فارهة والسفر إلى بلاد الشرق والغرب، هي نفس المبادئ التي تجعل المراهقين يعبون المشروبات الغازية ويقتاتون على الوجبات السريعة، مرددين عبارات مثل، سنعيش مرة واحدة ، وسنموت بها أو بغيرها، حتى بات إصابتهم بالتهاب المعدة والقولون أمرا عاديا، وهي أمراض كانت تحدث بعد الثلاثين عادة.
هذا الفكر الاستهلاكي التساهلي المتنامي في حجمه وسيطرته، يأخذنا جميعاً نحو الأسوأ في كل نواحي حياتنا، ونبدو في حاجة إلى وقفة جادة وطويلة نعيد فيها صياغة فكرنا الاجتماعي، بناء على الأسس التي لم تندثر بعد، والتي تربي المرء على وجود ضوابط واضحة عليه الالتزام بها مهما كلفه الأمر، وعدم الركون إلى العواطف والرغبات كأسس بديلة عن ذلك، تلك الضوابط التي تجعل اللاحاضرة في الضمير والوجدان أكثر من نعم، لتشكل سياجاً يمنع الإنسان من السقوط ويحمي منجزات المجتمع من الضياع، وكأنها لم تكن يوماً، وكأن أحداً لم يتعب ويشقى ويفنى في سبيل صونها لنا ذات يوم.