كثر الحديث والجدل عن محاولات للتحايل على ثورة 25 يناير المصرية، وتحوم الشبهات وتتردد الشائعات حول محاولات من المجلس الأعلى العسكري لفرض شخصيات معينة على المسرح السياسي في محاولة للسيطرة على السلطة في البلاد، حيث سمعنا شائعات حول احتمال ترشح المشير طنطاوي رئيس المجلس للرئاسة.
ودعم هذه الشائعات عدم صدور تصريح واضح من طنطاوي نفسه يؤكد أو ينفي ذلك، كما سمعنا عن دعم من المجلس العسكري لمرشحين معينين للرئاسة، والملاحظ أن معظم الشائعات تحوم حول شخصيات كانت تلعب أدوارا أساسية في نظام الرئيس المخلوع مبارك.
وكانت تؤيد هذا النظام حتى لحظة التنحي يوم 11 فبراير ثم انقلبوا فجأة مؤيدين للثورة، ومن هؤلاء عمرو موسى وعمر سليمان وأحمد شفيق..وغيرهم، وسمعنا عن استطلاعات للرأي تجريها جهات ليس لها أية علاقة بعمل استطلاعات الرأي الذي يحتاج لأساليب ووسائل فنية معينة، حتى المجلس العسكري نفسه أجرى استطلاعا للرأي على صفحته على الفيسبوك، والذي احتل فيه رئيس المخابرات السابق عمر سليمان المركز الرابع ومن بعده اللواء أحمد شفيق الذي عينه مبارك رئيسا للوزراء أثناء الثورة، رغم أنهما لم يعلنا نيتهما الترشح للرئاسة.
ولا ندري ما الدافع لأن يجري المجلس العسكري استطلاعا للرأي، وهل هذا هو عمله، وهل مجرد طرح سؤال «من تختار للرئاسة؟» على موقع إلكتروني وتلقي إجابات يعني استطلاعا للرأي؟، بالقطع لا، حيث يسهل التحايل في الدخول على الموقع والتصويت لعدة مرات، إجراء الاستطلاعات له أصوله وأساليبه العلمية، وما يجري من استطلاعات للرأي في مصر الآن يثير التساؤلات والشكوك.
ما زلنا حتى الآن نثق في المجلس الأعلى العسكري، رغم أن هذه الثقة تراجعت كثيرا لدى قطاعات كبيرة من الشعب المصري، لكننا لا نتصور أن هناك، سواء في المجلس أو في غيره من الجهات القائمة على العمل السياسي في مصر الآن، من يخطط للتحايل على الثورة وامتطاء صهوتها وتوجيهها في غير اتجاهها وضد أهدافها الأساسية، ومن يفكر في مثل هذا الأمر يكون بالفعل غير عاقل ويسعى لسكب الزيت على النار، هذه النار التي ستحرقه هو أولا ومن وراءه قبل أن تحرق كل ما تلقاه في طريقها.
لقد جعلت الثورة المصرية من الشارع والميدان المرجعية الأولى ومصدر الشرعية الأساسي لأي تغيير في البلاد، هذا الشارع الذي كان على وشك أن يحرق اليابس والأخضر لولا قرار تنحية مبارك، ولم يكن هذا الشارع يعول كثيرا على الجيش، بل كان احتمال الصدام قائما ومتوقعا، ومن تصدى لقوى الأمن والبلطجية والشبيحة والقناصة لم يكن لتخيفه مدرعات الجيش وجنوده، هذا الشارع والميدان مازال قائما ومستعدا للتجمع والتحرك في أي وقت، وقد زادت قوته وتضاعف حجمه عدة مرات عما كان عليه أثناء الثورة، والويل كل الويل لمن تسول له نفسه أن يخدع هذا الشارع أو يتحايل على الثورة.
نأمل أن يكون كل ما يقال وما يدور من شائعات حول خطط خفية لدى المجلس العسكري أو غيره من الجهات للتحايل على الثورة مجرد أوهام وأكاذيب، وإلا بالقطع ستكون كارثة ومأساة لا يعرف أحد أبعادها ومداها، كما نأمل أن يكون الشغل الشاغل للمجلس الأعلى العسكري هو مصلحة الوطن فقط، وليس مصلحة أية جهات «داخلية أو خارجية»، وأخشى ما نخشاه أن تكون لدى المجلس قناعة بفرض نظام أو شخص معين بحجة أن مصالحنا مع دولة ما، كبرى كانت أو صغرى تقتضي ذلك، هذه المفاهيم الخاطئة كانت السبب الرئيسي وراء كل مصائب مصر في عهد مبارك، ولا مكان لها الآن بعد الثورة، وكل من يحاول الترويج لها سيكون محل شكوك وشبهات كثيرة تصل إلى حد العمالة وخيانة الوطن.