المظلة التي نتحدث عنها هنا ليست مظلة عمنا وتاج رأسنا الأديب الراحل الكبير نجيب محفوظ، التي انطلق على صفحاتها، بعد هزيمة يونيو 1967، يستحضر أجواء من العبثية والضياع إلى حد السوداوية العدمية، ولكن ما نتحدث هنا عنه يشترك مع مظلة محفوظ في قاسم عجيب، هو التحليق إلى آفاق السوريالية، التي تحفل بالقدرة على إدهاشنا إلى حد الذهول.
ما نتحدث عنه هو ما طالعنا به صندوق السكان، التابع للأمم المتحدة، من أن عدد سكان العالم قد تجاوز، أخيراً، عتبة السبعة مليارات نسمة يقطنون كوكبنا الآن.
ولكن هذه ليست إلا البداية، فالصندوق يؤكد لنا أن عدد سكان الكوكب سيقفز ــ ما شاء الله ــ إلى عشرة مليارات نسمة مع نهاية القرن، أما إذا تصادف وزاد معدل المواليد ولو قليلاً عما هو متوقع فإن عدد سكان الأرض سيصلون إلى خمسة عشر مليار نسمة، بحلول عام 2100. ومسلسل الأرقام يبدأ ثم لا يكاد ينتهي، فالصندوق العتيد يؤكد لنا أن وليدين ينضمان إلى سكان العالم كل ثانية، وأنه في كل عام يزيد عدد سكان الكوكب بحوالي ثمانين مليون نسمة.
الخبراء لم ينسوا أن يصافحوا هذه الأرقام بحقيقة بسيطة، وهي أن الكوكب مع وصول سكانه إلى هذا الحد يفقد تماسك أنظمة إعاشته، وهذا هو على وجه الدقة السر في أن غابات كوكب الأرض تنكمش، ومصايد أسماكه تنهار، وأرضه المعشبة تتحول إلى صحارى مترامية بفعل الإفراط في الرعي، والتربة تتآكل، ومستوى المياه الجوفية يتردى في 18 دولة تضم نصف سكان العالم.
ولكن ألا تبدو هذه الأرقام مجردة إلى حد بعيد؟ أليس بمقدوري تنحيتها جانباً مادامت لم تمس حياتي اليومية بشكل مباشر؟ أليس بمقدوري أن أنسى الموضوع برمته باعتباره نوعاً من وجع القلب ودوشة الدماغ اللذين لدينا منهما الكثير؟
نحن العرب، من الماء إلى الماء، لا نملك رفاهية نسيان هذا الموضوع، أو تجاهله، لأننا في مقدمة دول العالم التي يفترض أنها دول زراعية، ولكنها لا تنتج ما يكفي لإعاشة أبنائها من المواد الغذائية، وبالتالي تتحول إلى مستورد صاف، بفاتورة استيراد تتزايد دوماً، وتفتح المجال أمام ثورات الخبز وتظاهرات الاحتجاج والإضرابات التي تتحول إلى نمط حياة.
هذه الحقائق المتعلقة بسكان الكوكب هي نفسها في مقدمة العناصر التي تدفع الدول المتقدمة إلى إقامة أسوار عالية، بالمعنى العضوي، حول حدودها، للحيلولة دون الهجرة إليها، والملايين من الشباب العرب هم في صدارة من يتم إبعادهم، وليست مشاهد الهجرة عبر البحر في السفن المعرضة للغرق إلا جزءاً من حاضر الكثيرين من الشباب العربي ومستقبلهم.
وينفتح المجال أمام دفق لا ينتهي من الأسئلة، إذا كانت هذه الأرقام، التي تبدو مجردة لأول وهلة، تتحول إلى تضاريس موجعة في حياة الشعوب العربية، فما هي الخطط التي أعدتها الحكومات والمنظمات والهيئات العربية للتصدي للنتائج العملية المترتبة على هذه الظاهرة السكانية المرعبة على المستوى العربي؟
ما هو بالضبط دور القطاع الخاص في التعامل مع الظاهرة الشبابية المتمثلة في الخريجين الذين لا تتاح لهم فرص العمل؟ ما هو دور مؤسسات العمل العام؟ ماذا عن الإعلام والإعلاميين؟
الأكثر أهمية من ذلك هو: هل هناك مكان ما تحت السماء العربية تتكامل لديه عناصر الصورة الشاملة المتعلقة بالانفجار السكاني وتأثيره على الحياة العربية؟ وما الذي تم القيام به لمعالجة المشكلات التي تعكسها هذه الصورة الشاملة؟
ونقول أخيراً، إنه إذا كان أبطال نجيب محفوظ يجدون انعتاقهم من الاغتراب والتمزق في العمل أو الحب أو الفن أو الصوفية، فإن الشباب العربي لم يتحقق له حتى الآن الحد الأدنى من خارطة المستقبل، التي تكفل له الانعتاق من ضغوط كابوسية، تبدأ ثم لا تنتهي، فهل آن الأوان لتحرك شامل ومدروس في هذا الاتجاه؟