لنتذكر أَنّ زعيمَ حزب حركة النهضة في تونس، راشد الغنوشي، صرَّحَ يوم وصوله إِلى مطار قرطاج في عاصمة بلادِه، بعد غيابِه القسريِّ عنها أَزيدَ من عشرين عاماً، أنه لا حكمَ للشريعةِ الإِسلامية في تونس، ولنعلم أَنَّه وأصحابَه في الحملةِ الانتخابية للمجلس التأسيسي قالوا هذا كثيراً، وقالوا ما أَكد عليه الغنوشي فور نيل "النهضة" نسبةً وازنةً (90 مقعداً) في المجلس (217 مقعداً) في انتخابات الأُسبوع الماضي، لما أَوضحَ أَنَّ الحركة لن تعملَ على تقييدِ السياحة، ولن تفرضَ ارتداءَ المرأَة التونسية الحجاب، ولن تسعى إِلى تعديلٍ في النظام المصرفي (ربويٌّ)، وأَنَّها مع اقتصاد السوق الحر، وستُحافظ على مكتسباتِ المرأَةِ في قانون الأَحوال الشخصية الذي تناقض بنودٌ فيه الشريعة الإسلامية.
وغير صحيحٍ أَنَّ تُحسبَ هذه "الإيضاحات" رسائلَ تطمين إِلى خارج تونس، فيما هي تشتملُ على ما تقوله "النهضة"، منذ البيان الأَول لحركة الاتجاه الإِسلامي التي صارت في 1989 حركة النهضة، والذي يتبنّى الديمقراطية وتداول السلطة، ولم يُشِر إِلى تطبيق الشريعة الإِسلامية وتنفيذ الحدود وتعديل قانون الأَحوال الشخصية. وفي أَرشيف "النهضة"، منذ بواكيرها الجنينية، حضورٌ وفيرٌ للحداثةِ والتديّن العقلاني وحقوق الإِنسان والحريات العامة وحقوق المرأَة.
وليس غريباً أَنْ يرفض إِسلاميون عرب، في المشرق خصوصاً، ما ذهب إِليه الغنوشي في أُطروحته للدكتوراه "الحريات العامة في الدولة الإسلامية"، لمّا نُشِرت كتاباً في 1993، إذ تُؤكد أَولوية العقل على النص، وتشغلها أَولوية الديمقراطية على كل ما عداها، في الدولة الحديثة التي يتوخّاها.
أَن تكون 42 امرأَة، بعضُهن سافرات، بين الفائزين من منسوبي "النهضة" في المجلس التأسيسي المنوط به كتابة دستور الجمهورية الثانية في تونس، فهذا معطىً شديدُ الأَهمية عند التعرّف الجدّي على هذا الحزب، الذي ربما لا يلحظ المرءُ سمْتَه الإسلامي في غير تأكيدِه على بعثِ الشخصيّةِ الإِسلامية لتونس، إِذ نعثرُ على قواسم مشتركةٍ غزيرةٍ بين الحركةِ وقوىً وتياراتٍ علمانيةٍ الخيارات، تفوق ما بين "النهضة" وزميلاتِها من تكوينات الإسلام السياسي العربية، سيما الإخوانية منها.
وإِذا جاز الاجتهاد بالقول إِن مليوناً ونصف مليون ناخب تونسي صوتوا لـ"النهضة"، إنما أَرادوا مكافأَتها على مقاومتِها الجسورةِ نظام زين العابدين بن علي، يحسُنُ التأكيدُ في الوقت نفسه على أَنَّ للحركة برنامجاً سياسيّاً واجتماعياً، يشتملُ على خططٍ تواجِه تحديات التشغيل والحدِّ من البطالةِ بين الشباب الجامعي، ويصوغُ سياقاً لتنشيطٍ إِنمائيٍّ يلبي احتياجاتِ المدن الصغيرة والمهمشّة والأَرياف، وقناعةُ قطاعاتٍ عريضةٍ من المجتمع به، كان لها أَثرها الكبير في نجاح "النهضة" في أول انتخابات عربية تصلُ نسبةُ الإِقبال فيها إِلى نحو 80%.
والبادي أَنَّ "النهضة" صارت أَمام امتحان ليس هيِّناً، فمصداقيَّتُها صارت على المحك، وسيكون جهدُها في تطبيق برنامجِها تحت مجهر التونسيين، ومعياراً سيحتكم إِليه الناخب بعد اكتمال الشوط الثاني من المرحلة الانتقاليةِ في بلده، عندما يحين استحقاقُ الانتخابات البرلمانية بعد عامٍ أَو أَزيد، لتغادر تونس جمهوريتي الحبيب بورقيبة التغريبية وبن علي التسلطية. ومعلوم أَنَّ المصالحَ هي ما تحسم كل انتخاباتٍ، وليست الأَفكار بالضرورة.
ويجوز أَنْ يُخمِّن المرءُ أَنَّ مقاديرَ وازنةً من النجاح ستُحقِّقها "النهضة" في هذا الاختبار، فالحركة الإِسلامية التونسية، تاريخياً، أَكثرُ اتصالاً بالواقع وقضاياه من شقيقاتِها المشرقيّة، ومصالحُ الناس تتقدَّم على كل اعتبارٍ لديها.
وفي البال أَنَّ "النهضة" تستلهم التجربةَ الناجحةَ لحكم حزبِ العدالة والتنمية، الإِسلامي النزعة، في تركيا، ولا تُيَمِّم أَبصارَها إِلى تجربةِ حكم الإِسلاميين البائسة في السودان. ومفارقةٌ أَنْ يتحدَّثَ رجب طيب أَردوغان عن تأثر حزبِه باجتهادات الغنوشي، فيما يتطلع الشيخ التونسي إِلى نجاحٍ في تونس يُماثل نجاح أَردوغان في تركيا. تُرى، هل تنجح "النهضة" في رهانِها هذا؟