بما أن ما اصطلح على تسميته بمخاض الربيع العربي، يخضع لاجتهادات وتعدد زوايا الرؤى، فإن الثابت هو بزوغ مشهد الإسلام السياسي بين أوراق وآفاق هذا الربيع، لكنه مشهد لا يهدد بنذر رعب وارتداد، كما يطيب لبعض النزعات اليسارية المغامرة الركون إليه، في تحليلاتها للمرحلة الدقيقة من تاريخنا العربي الراهن. أولى الثورات العربية انطلقت من تونس، وأولى انتخابات الربيع العربي أيضا أينعت ثمارها في تونس، وربما لهذه الخصوصية ستكون مؤشرا للقادم في الساحات الأخرى، وفي مقدمتها مصر.
فوز حركة النهضة الإسلامية بما يزيد عن 40% من مقاعد المجلس التأسيسي التونسي، فاجأ عتاة المحللين العرب، الذين ركنوا إلى التركيبة العلمانية التي رسخها نظام زين العابدين سالفا، وظنوا أن منع الحجاب وقمع رفاق راشد الغنوشي النهضويين، كفيل بإبعاد الإسلام السياسي عن الحاضر التونسي. غير أنه تبين أن الغياب المكبوت ولد مضاده الفيزيائي، بانفجارٍ مداده التوق الخبيء للبديل المحظور، على أساس أن كل ممنوع مرغوب، فضلا عن كلاسيكيات التحليل الخاصة بالقوة المنظمة الوحيدة للإسلاميين في الساحات العربية، وتوفرها على مصادر تمويل ضخمة.
حصل ما حصل وفازت النهضة، ولم تكد تعلن النتائج حتى سارع زعيمها الغنوشي لتبديد المخاوف من الإسلام السياسي المتشدد، بإعلان مصالحة مبكرة مع العلمانية وقواها، بما فيها الشيوعية، ومد اليد لبناء تونس الغد.
ما هي ملامح هذا الغد؟
بالنظر إلى القوى المؤثرة في اشعال الثورات، وتحديدا تلك التي كانت في مقدمة صفوفها، والتي اتسمت بالعلمانية والليبرالية، من أجيال الـفيس بوك، وما شاب مواقف الإسلام السياسي المترددة في بدايات الثورات العربية، ومن ثم لحاقها بهذا الركب ما أن تأكدت غلبته في مواجهة أنظمة الاستبداد، فإن الشارع العربي بات من دون شك عصيا على أي حكم يتسم بالأحادية والنظرة الاقصائية الاجتثاثية الاستبدادية، وعليه فإن الاسلام السياسي لا مناص أمامه من إعادة صياغة أيديولوجيته لتفادي غضب الشارع وزحفه الجارف. كذلك أظهرت حركات الإسلام السياسي عبر تاريخها الطويل، براغماتية بادية في التعامل مع الأزمات: فتارة تتحالف مع الاستبداد وأخرى تناقضه، بحسب المتغيرات الناشئة، ما يفيدها بمرونة كافية للتعامل مع استحقاقات استلام زمام السلطة.
الأهم من كل ما سبق، أن في المحيط القريب من المنطقة العربية، نموذجا ناصع النجاح في العلاقة بين العلمانية والإسلام السياسي: إنه النموذج التركي.
حزب رجب طيب أردوغان الذي رفع لواء الإسلام المعتدل والمتحضر، لم يغامر بمجابهة العالم أيديولوجيا، بل اندمج جزءا أساسيا في المعادلة السياسية العالمية وحوار الحضارات، ففاز بتنمية اقتصادية وتقدم حضاري ومكانة مرموقة، فضلا عن اعتراف دولي صريح بتفرد الوجه التسامحي والتنويري للإسلام، بعد هجمات 11 سبتمبر المشؤومة.
وعلى الرغم من مبررات التحفز والتحوط لحقبة الإسلام السياسي ما بعد الثورات العربية، إلا أن عالما بهذا التشابك، واستحالة استمرارية أمة منعزلة، تفرض تغييرات جوهرية في سلوك قادة البديل القادم للأنظمة. ولعل اختبار الإمساك بزمام السلطة بدل الركون المريح إلى مقاعد المعارضة، يكشف المستور ويزلزل القناعات الجامدة، فيندلع تسونامي جديد في هذا المعسكر، على أنقاضه تتبلور أحزاب وحركات إسلامية أكثر واقعية، تحجز لها مكانا في تلاقي الحضارات.