لأننا مسلمون فمن الطبيعي أن يحضر التفكير الديني في شتى أمور حياتنا، وأن نزن به كثيراً من شؤوننا ومما نراه في عالمنا من خير أو شر، ولا جدال في أن ذلك كان صمام أمان لهذه الأمة المبتلاة منذ دهور، فمثلاً لولا إيمان المسلمين بالقدر إيماناً عميقاً، وإرجاعهم الأمور في النهاية إلى ما خط في الأزل في لوحه، ثم لولا يقينهم الثابت بالحياة الآخرة، وبمعاني الفوز بالشهادة، لما تحمل الكثيرون ما يحدث لهم، ولما ظلت هذه الأمة تدهش العالم بصمودها، وباستيقاظ عزيمتها في كل مرة من تحت رماد القهر والطغيان.
على ذلك يتأمل الناس في خواتيم قادتهم باعتبار أن الأعمال بالخواتيم، ويقارنون بين هذا وذاك، ليروا من الأمور عجباً، فالموت واحد، شنقاً أو صلباً أو حرقاً، ولقد تعرض خيرة الناس لأشكال مؤلمة جداً من الموت، كسيدنا حمزة وسيدنا الحسين رضي الله عنهما، والفيصل هو سيرة الإنسان في السنوات أو الشهور أو الأيام أو حتى اللحظات الأخيرة قبل الموت التي يستطيع فيها تدارك أمره، وجل الله أن يعطيها لمن أصر على الظلم والعدوان ولم ينتبه إلى توبة نصوح.
والسؤال الذي يحير الناس هو ما الذي يجعل الطغاة يغفلون عن ذلك ويستمرون منقادين كالثور الأعمى إلى مصير واضح وضوح الشمس؟ لا شك أن الأسباب كثيرة والحديث فيها يطول، ولقد أعجبني تحليل الدكتور طارق الحبيب في معرض حديثه عن شخصية الرئيس عندما نوه إلى أن الرؤساء العرب، لا يرون لهم مستقبلاً مريحاً بعد الرئاسة كما هو الحال في الديمقراطيات الغربية، فيلجؤون إلى التمسك بالكرسي ونهب الأموال وكنزها كنوع من توفير الضمان لهم، وهيهات! فالنظام الذي ارتضوه ولم يعملوا على تعديله هو جنتهم ونارهم في آن واحد. أحد أهم الأسباب في رأيي هو اعتياد الدوران داخل الدائرة، وهذا حاصل للكثيرين في مختلف المجالات، فتجد أحدهم متمسكاً حتى اللحظات الأخيرة بعمله، مهما كان سبباً في تعبه وشقائه وابتعاده عن أبنائه، أو تجده متمسكاً بعادات سيئة كالتدخين، أو السهر أو البعد عن الله، يظل في الدائرة ممنياً النفس بأنه سيتوقف عن العدو داخلها في الوقت المناسب، وهذا مالا يحدث في الغالب.
شهيرة هي قصص من أمسكوا بدفة الحياة وأداروها 180 درجة في الاتجاه المعاكس في لحظة فريدة من الزمن، في السياسة يحضر سوار الذهب في السودان مثالاً للانتباه لنفسه وقدراته وحاجاته في الحياة عندما أدى دوره في إزاحة النميري ثم عاد إلى حياته بعيداً عن عالم السياسة، ليبزغ في عالمنا العربي الشرقي جبلاً وليس سواراً من ذهب! لقد توقف الرجل قبل الدوران السريع في مدارات الدائرة، في عالم المال هناك الكثيرون ممن انتبه في نهايات أيامه إلى تطهير ماله من الربا والحرام، فتبرع به كله على الرغم من الحرب التي يواجه بها هؤلاء عادة من أبنائهم، في الفن هناك من ابتعد عن العصيان في أوج تألقه وشبابه باعتزاله أو تحديده لنوعية ما يقدم بعيداً عن العري والابتذال، في الحياة عموماً نجد نماذج كثيرة لأمهات وآباء توقفوا عن اللهاث في دائرة العمل والنفوذ والشهرة، وانتبهوا إلى أن ما جمعوه كافٍ وزيادة، وأن مزيداً من الاستمرار يعني مزيداً من الهدر للصحة، والتضييع لمسؤولية الأبناء والتسويف لكثيرٍ من الطاعات.
الوقفة مع النفس بصدق إذن بين فترةٍ وأخرى، وجرد الحساب أمامها أحد ضمانات حمايتها من الانزلاق في ملعب الصابون في الحياة، أن يقف المرء أمام نفسه ويسألها ماذا تريد وإلى أين تسير وما هو الواضح والملتبس من أمور؟، هذه اليقظة الروحية والمحاسبة الدائمة للنفس، تجعلاه قادراً على أن يقول لا لعجلة التدمير التي تريد أخذه من زيفٍ إلى زيفٍ نحو الهاوية.