في يومين متتابعين، شاهدت حوارين تلفزيونيين مطولين مع كاتبين وصحافيين مبدعين رحلا عن دنيا الناس الفانية، أخيراً، وكان أحدهما أبعد ما يكون عن الآخر، فكراً وتوجهاً ورؤية وحركة وخطاباً، وهما الروائي خيري شلبي والكاتب أنيس منصور.

على الفور، تقريباً، ارتسمت في ذهني مجموعة من النقاط المهمة والدالة، التي تفرض نفسها في ضوء هذين الحوارين. المرء، أولاً، لا يحتاج إلى كثير من اللماحية لكي يدرك أنه أمام جيل بكامله يرحل رجالاته مسرعين، وعلى نحو متوال، من دون أن يتركوا لنا من يمكن أن نصفهم بأنهم يعادلونهم في القدرة على التأثير، وكأنهم برحيلهم ذاته يلفتون نظرنا إلى أن هناك خطأ جسيماً في الآلية التي أفرزتهم، والتي غدت على نحو ما عاجزة عن إحلالهم وإفراز بدائل لهم.

أنيس منصور وخيري شلبي يشتركان، رغم الخلاف الهائل بينهما، وكل أبناء الجيل الذي ينتميان إليه، في أنهما خرجا من تحت عباءة ثورة 1919، التي حملت إلى آفاق التجسيد إرادة شعب في أن يعيش حراً، كريماً، مستقلاً، وأن يتخلص من التخلف، ويرتقي إلى أعلى آفاق التحديث، بالعمل والجد والقدرة على التنظيم.

لهذا، بالضبط، فأنت لا تستطيع وأنت تستمع إليهما إلا أن تلمس لمس اليد؛ التأثير الليبرالي العظيم لهذه الثورة، والحس الوطني الذي قامت عليه، ولا تملك إلا أن تتساءل: كم جيلاً ينبغي أن يرحل قبل أن يخفت الدوي الهائل لثورة الشعب العظيمة تلك؟

والمرء، ثانياً، لا بد له من التوقف عند موقف الرجلين من ثورة يوليو 1952، فخيري شلبي يردد مراراً وتكراراً انزعاج جيله من تأثير «العسكر» على الحياة في مصر، ويرى فيه امتداداً لأسوأ التقاليد العثمانية والمملوكية، التي أدخلت مصر في نفق مظلم استمر قروناً، وأنيس منصور لم ينس قط للزعيم الراحل جمال عبد الناصر أنه أخرجه من بلاط صاحبة الجلالة، ولو إلى حين.

المدهش حقاً رأي الرجلين في الرئيس المصري الأسبق أنور السادات، وإذا كان من الممكن أن نفهم حماس أنيس منصور للسادات، باعتباره أحد منظري ترحاله إلى الكنيست الإسرائيلي، فإن موقف خيري شلبي من السادات الذي يبدو مليئاً بالإعجاب يصيبنا بالذهول حقاً، على الأقل لأن المهمشين والمسحوقين الذين كتب طويلاً عنهم لم يحصلوا من السادات إلا على دهس انفتاحه الاقتصادي على أعناقهم وأرواحهم.

ولا بد لنا من التوقف، ثالثاً، أمام خارطة ارتحال الرجلين، فكلاهما جاء من الريف المصري، وقدم إلى المدينة للدراسة، ثم للعمل، ثم لاقتحام العمل العام، وفي الحالتين نرى أن خيري ظل فلاحاً حتى أطراف أصابعه، ولا يبتعد الحديث معه عن وجع الريف إلا ليقع في ألم المدينة، وبالمثل لم تفلح لغات أنيس منصور الأجنبية العديدة ورحلاته إلى أرجاء الدنيا في أن تنتزعه من طقوس الريف، فمضى باسماً يحدثنا عن «طشت» أمه الذي ظل يستحم به وفيه، حتى قبل زواجه بعامين.

الرجلان، رابعاً، يؤثران الحديث عن الحكايات، الذكريات والماضي بأكثر مما يتطرقان إلى المستقبل، ربما لأن جيلهما لم يقدر له أن يمسك بتلابيب رؤية تعكس حداً أدنى من التماسك للمستقبل العربي، ربما لأن بلورة مثل هذه الرؤية مهمة تستدعي جيلاً مختلفاً، جيلاً مهموماً بالمستقبل، لأن تحقيق مثل هذه الرؤية قدره ومصيره.

أخيراً، يلفت نظرنا وجود خط ناظم يجمع بين الرجلين، هو الحزن، الذي يرتسم تحت آفاق الحوار، رغم محاولة أنيس منصور الهرب منه بالنكات، ومحاولة خيري شلبي الفرار منه بالحكايات. ترى هل الحزن قدر المفكرين من أبناء شعبنا؛ أياً كان اتجاههم؟

رحم الله الراحلين الكبيرين، اللذين تركا لنا زاداً حقيقياً للتفكير والتأمل، مهما كان اختلافنا مع بعض ما طرحاه في حواريهما الأخيرين.