تعاني مصر بعد ثورة 25 يناير، من مشاكل كثيرة في مرحلة الانتقال والتحول، ونشهد أحداثاً مأساوية يقع فيها ضحايا من قتلى وجرحى بأعداد كبيرة، ونشهد اضطرابات واحتجاجات في مختلف مدن مصر، ونسمع في الإعلام عن أزمات حادة ومشاكل كثيرة، وصراعات مختلفة بأطراف مختلفة، ومن بينها طرف يطلقون عليه اسم "فلول النظام السابق"، ويسعى أصحاب هذا الطرف إلى إثبات وجودهم بشتى الطرق، حتى ولو بالبلطجة والشغب، ويدخلون في صدامات ضد الجميع، ويبدو الشكل العام للبعض وكأن الثورة تتراجع وتندحر.

وليس غريباً أن يكون هناك من يتمنون اندحار الثورة وهزيمتها، ليس فقط خارج مصر، بل وداخلها أيضاً، وبالقطع هم لا يحلمون بعودة حكم مبارك أو أنجاله، فهذا أمر محسوم واقعياً، لكنهم يحلمون بتحول مسار الثورة للاتجاه العكسي، لتخدم مصالح فئات وجهات معينة على حساب جموع الشعب.

وهؤلاء، وإن كان عددهم قليلاً، إلا أنهم يملكون ثروات وإمكانيات ونفوذاً كبيراً في الدولة، ولديهم من الأموال ما يستطيعون به نشر الفوضى والاضطرابات على مستوى واسع، ومن هؤلاء بعض من يطلق عليهم وصف "رجال الأعمال" الذين يملكون الملايين وربما المليارات، ويشعرون بأن التحولات التي تجري في مصر لن تكون في صالحهم، بل ستشكل خطورة عليهم آجلاً أو عاجلاً. فهؤلاء جمعوا أموالهم وثرواتهم في ظل نظام معين، ضمن لهم الحماية الكاملة لمصالحهم وتغاضى عن كافة أخطائهم ومخالفاتهم القانونية، وكان لهم تعامل وتبادل مصالح مشترك ومستمر مع أركان النظام السابق.

هؤلاء الآن لا يعرفون ماذا ينتظرهم في المستقبل القريب في مصر، بعد أن تستقر الأوضاع وتتغير الأنظمة والقوانين، وبعد أن تأتي حكومة تشكلها أغلبية برلمانية منتخبة بشكل ديمقراطي، ويأتي رئيس منتخب أيضاً بشكل ديمقراطي..

بالقطع سيفقد هؤلاء من أصحاب الثروات الكبيرة، الحماية والامتيازات والتسهيلات التي كان النظام السابق يوفرها لهم، الأمر الذي سيعيق نمو ثرواتهم. ولا يستبعد هؤلاء أن تتركز عليهم الأضواء في المستقبل، وتوجه لهم الأسئلة حول ثرواتهم هذه، أو تطبق عليهم قوانين الضرائب بشكل عادل وبأثر رجعي، الأمر الذي من الممكن أن ينتهي بهم أيضاً وراء قضبان السجون.

هؤلاء الأثرياء الكبار في مصر، لا يمكن أن يكونوا الآن صامتين وجالسين ينتظرون مصيرهم المحتوم، فمن المؤكد أنهم يخططون ويعملون في الخفاء، وربما لا يستطيعون الآن تهريب أموالهم للخارج بسبب الرقابة الشديدة على هذه العمليات بعد الثورة، لكنهم ربما يدبرون للكثير مما يحدث من اضطرابات وفوضى في الشارع المصري الآن، وذلك بهدف تفجير الأوضاع واندلاع الفتنة وإشعال الصدامات، مما يستدعي فرض نظام حاكم بالقوة تحت حجة حماية البلاد.

ولا أستبعد أن تكون لدى الجهات المسؤولة في مصر الآن، معلومات حول تحركات ومخططات هؤلاء، وقد سمعنا تصريحات من مسؤولين في الحكومة والمجلس العسكري تحمل تلميحات واضحة لذلك. ومن البديهي أن هؤلاء معروفون للجميع، لكن لا يمكن المساس بهم ما لم يثبت ضدهم شيء.

بعض هؤلاء ثرواتهم تقدر بمئات الملايين، وربما بالمليارات، ويستطيعون أن يحشدوا مظاهرات بالآلاف في الشوارع ولعدة أيام متواصلة، حتى لو دفعوا للفرد الواحد مئتي دولار في اليوم، وهو مبلغ كبير لعاطل أو بلطجي، والمأجور بالمال يفعل كل ما يطلب منه.

كما يستطيعون استئجار رجال دين أو من يقوم بدورهم، لإشعال الفتنة الطائفية، ناهيك عن أنهم يتحكمون في معظم وسائل الإعلام المصرية الخاصة المرئية والمقروءة، ويوجهونها بشكل مخطط له، للتركيز على الأوضاع السيئة والأحداث المؤسفة، واستبعاد كل ما هو إيجابي في المجتمع، مما يشكل رأيا عاما محبطا لا يرى بعد الثورة سوى المشاكل والفوضى والاضطرابات. أمثال هؤلاء هم الذين يجب الانتباه لهم وتسليط الأضواء عليهم، حتى لو تعمدوا هم الهروب من دائرة الضوء.